شذى النَّغَمِ في حَضْرَةِ العَنْدَلِيب: أُمْسِيَةٌ ساحِرَةٌ تُنِيرُها «هَمْسَةُ نَتْ الدَّوْلِيَّةُ» في بَرْنَامَجِ «لَحْنِ القُلُوب»
الأستاذة عيساوي فاطمة

في سهرة فنية مائسة بالجمال، تنسمت أرواح العشاق عبق النغم الخالد عبر شاشة «همسة نت الدولية»، حيث أبحر برنامج «لحن القلوب» في جزئه الثاني من أمسية «في حضرة العندليب»، ليسلط الضوء على قيثارة الشرق عبد الحليم حافظ؛ وذلك تحت المظلة الثقافية السامقة لمنصة «همسة سماء الثقافة الدولية» بإدارة المنارة العلية الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية، وبالإشراف العام الرصين للمهندس عبد الحفيظ إغبارية.

وقد زفت مقدمة البرنامج الفنانة الإعلامية لميس حاج ضيف اللقاء الكبير، الشاعر المرموق محمد ثابت، “شاعر الأمة”، بنبضات صوتية شجية واستهلال رقيق من شدو أغنيات فيلم «أبي فوق الشجرة»، لتفتح كتاباً ثانياً من دفتر الذكريات السينمائية والألحان التي سكنت الوجدان، واغتسلت بها أرواح الجماهير التي وجدت في العندليب بطلاً يحب بدلاً عنها، ويفرح ويحزن لحزنها.

وافتتح الحوار بسبر غور القصة العصية للعندليب الأسمر؛ إذ أوضح الشاعر محمد ثابت أن مسيرة عبد الحليم كانت ملحمة كفاح ولدت من رحم المأساة، بدءاً من ظلمة اليتم التي لاقته في مهده حتى صارت ولادته عند البعض مبعث شؤم ورغبة في الموت، مروراً بفقد والده وهو صبي في الخامسة، وتعاون إخوته على رعايته بين المرض الشرس «البلهارسيا» وآلام العلاج الممضة. غير أن هذا الشاب القدد أبت إرادته إلا أن يصارع طواحين الهواء بصلابة الفولاذ، ليعتلي عرش القمة الفنية ولا يتنازل عنه أبداً. ولم يخْلُ الصدى من طرائف تداعب المسامع، إذ دخل عبد الحليم القسم الموسيقي ليكون ملحناً فغدا مطرباً يُشار إليه بالبنان، في حين أن رفيقه كمال الطويل دخل للغناء فأصبح ملحناً عبقرياً؛ ليشكل مع طليعة من الموهوبين أيقونة التجديد التي زلزلت الشارع المصري والأعماق بنغمات فاراهة مثل «هي دي هي.. فرحة الدنيا»، لينسجم شخصه الفريد بعيداً عن أن يكون ظلاً لأحد، ثم أعادت الإعلامية لميس حاج إشراقة أغنية «صافيني مرة» بصوتها العذب في استراحة شجية.
وقد تألقت سماء الحلقة بتفكيك عبقرية التحول السينمائي والغنائي الذي أحدثه عبد الحليم حين غير ملامح الأغنية الاستعراضية ووضع عفوياً نواة ما يسمى اليوم بـ «الفيديو كليب» لتكون الرقصات جزءاً جوهرياً من النسيج الدرامي. وشهد فيلم «أبي فوق الشجرة» ترسيخاً لهذا العصر؛ إذ ظل يُعرض في دور السينما الأهلية والشعبية لأربع سنوات متواصلة كقنبلة موسمية امتزجت فيها ألحان بليغ حمدي والمخرج حسين كمال وشاطئ الإسكندرية وسحر ميرفت أمين ونادية لطفى، مجسداً كمالاً فنياً حاول حتى العملاق فريد الأطرش محاكاته. وتسلسلت الأفلام الخالدة مثل «لحن الوفاء»، و«أيامنا الحلوة»، و«بنات اليوم»، و«الوسادة الخالية»، و«الخطايا»، بينما كان للفنانة شادية نصيب الأسد في التمثيل معه في أوج شبابهما الكيميائي المتألق. ولم يكتفِ العندليب بذلك، بل صال في الميادين الثورية والدينية والشعبية، لتشدو لميس حاج بمقطع آخر من «على حسب وداد»، مبينة كيف نجح في طرق كل الألوان، ومؤسساً صالوناً ثقافياً جامعاً يلتقي فيه الملحنون والمفكرون والأدباء.
ولم يكن العندليب يحب العزلة أو الاستسلام للمرض رغم رفضه لبعض الحلول الجراحية، بل كان يعشق الجلوس في الشرفة ليكون ثابتاً في قلوب جماهيره المصرية والعربية. وتطرق اللقاء للأغاني التي شكلت السهل الممتنع ومست الأرواح مثل «تخونوه»، و«أول مرة تحب»، و«وحياة قلبي وأفراحه»، والتي احتضنت فرحة الشباب ونجاحاتهم. وفي رده على تساؤلات المتابعين، أكد ضيف «لحن القلوب» أن أفلام عبد الحليم لم تنجح بفضل الغناء فحسب، بل بفضل تكامل المنتج الفني من قصة وسيناريو وإخراج ورعاية شخصية من العندليب لكل التفاصيل، موضحاً أن عزوفه عن المسرح في أيامه الأخيرة كان بسبب الإجهاد الصحي الكبير الذي لا يطيقه بدنه المنهك.

واختتمت هذه الملحمة النغمية السامية بنبضة وفاء خالدة؛ حيث صرح الشاعر محمد ثابت بأنه لو كان العندليب حياً اليوم لقال له: «لقد طور البعض فكرتك بشكل خاطئ، ولن يكون هناك عبد حليم آخر، وستظل أنت مطرب الشباب المنطلق من عمق المجتمع رغم ضياع الفن في هذا الزمن». لتعلن المقدمة لميس حاج نهاية السهرة بكلمات تقطر شجناً: «رحل العندليب جسداً، لكنه حي بآهاته التي اختصرت عشق الجماهير؛ فلم يكن مجرد مطرب بل حالة إنسانية وفنية استثنائية ترجمت أعظم تجربة في تاريخ الغناء». لتبقى منصة «همسة نت الدولية» والمشاعل الثقافية لـ «همسة سماء الثقافة» واجهة زاهية للألحان التي تلامس القلوب وتسكن الوجدان إلى أبد الآبدين.

المديرة التنفيذية الدكتورة فاطمة أبو واصل اغبارية

المشرف العام المهندس عبد الحفيظ اغبارية



