الرئيسية

القناعة كنز لا يفنى

شاعر الأمة محمد ثابت

القناعة كنز لا يفنى

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

إن ما يوجه الإنسان ويقوده في الغالب ليس الرغبة في الحفاظ على النعم التي ينعم بها، بل هو القلق بشأن المرافق والإمكانيات المفقودة، والجشع للحصول عليها بأي ثمن.
ولعل هذا هو السبب في أن البعض يجد شغفاً في “الدعاء” والطلب أكثر من “الشكر” للمنعم -سبحانه وتعالى-. فغالبًا ما يدعو الناس من أجل الحصول على المزيد، وتحقيق المكاسب، والفوز، والتقدم.
ليس بالضرورة أن يُستجاب كل دعاء، ولكن بالنسبة لمن يشكر الله المنعم على ما لديه من نعم، فإن ذلك الشكر يصبح “تجربة حياتية” بحد ذاتها، تقوده إلى الغبطة الروحية والثقة بالنفس. إن من أهم الشمائل التي تجعل حياة المرء سعيدة هي امتلاك قلب يقنع بما لديه. وفي هذا السياق، يقول معنى آية من “إيشافاسيا أوبانيشاد”:
“كل ما في هذا العالم، متحركاً كان أو ساكناً، محاط بذات الإله. لذا، استمتع بالترك والتخلي، ولا تطمع في نعم غيرك.”

وفي الكتاب المقدس، وتحديداً في الرسالة إلى أهل فيلبي (الفصل الرابع، الآيات ١١-١٣)، يتحدث الرسول بولس عن فضيلة القناعة قائلاً:
“لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ… فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ.”

تخيل شخصاً متمتعاً بالصحة؛ سيكون مفعماً بالحيوية، لا يضطر للتردد على المستشفيات أو الأطباء. لا عائق أمامه للعمل أو السفر أو تناول ما يحب. كم هو محظوظ مقارنة بمريض! فما هي السعادة الأكبر من أن يعيش المرء شاكراً بتواضع للمنعم الذي منحه هذه النعمة؟
انظر إلى الغني؛ لديه منزل مريح، سيارة جيدة، وأبناء ناجحون. إذا قارن نفسه بالفقير، سيدرك كم هو منعم عليه. أما إذا كان يسيطر عليه الجشع والتفكير الدائم في جمع المزيد، فإن اليأس وعدم الرضا سيتمكنان منه.
إن الشخص القانع بما لديه، والذي لا يضطرب لفقدان ما ليس عنده، يمتلك دائماً الأمل والثقة. نحن لم نأتِ إلى هذا العالم بشيء، وكذلك أسلافنا. لدينا هواء، وماء، والكثير لننعم به. والحقيقة هي أنه لا يوجد بيننا من نال كل شيء؛ فمن رُزق المال قد يُحرم الصحة أو السلطة.
يجب أن نضع آمالنا في “رب العالمين” الرحيم، الذي هيأ لنا سبل الحياة منذ ولادتنا. علينا أن نفعل ما بوسعنا بالموارد المتاحة، وأن ندعو الله ليعيننا فيما يعجز عنه جهدنا. إن الكائنات التي لا تملك عقلاً أو تكنولوجيا لا تموت جوعاً، كما ورد في القرآن الكريم: “وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تحمل رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (العنكبوت: ٦٠)

لكن الكبر، تلك النزعة الشيطانية، تضع غشاوة على أعيننا تمنعنا من التواضع أمام هذه النعم. الله هو الذي جعل لكم الأرض قراراً، وصوركم فأحسن صوركم، ورزقكم من الطيبات.
الغني لا ينال كل شيء بثروته، وصاحب السلطة لا يجد فيها قناعة كاملة. إن الوعي بأن “الله معنا” -مهما كان ما نفتقده- هو أعظم رجاء وأكبر أمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى