الرحمة هي جسر ممتد من السماء إلى الأرض تدعو إلى التكافل والتضامن الاجتماعي “
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

تُعتبر الرحمة من أبرز القيم الإنسانية التي تساهم في بناء علاقات قوية ومتماسكة بين الأفراد، فهي أشبه بجسر من الدفء والود يصل بين القلوب ويعزز روح التواصل الإنساني. بدون هذه القيمة السامية، تتحول الحياة إلى عالم جاف، خالٍ من المعاني الجميلة التي تمنح الأحاسيس والمشاعر رونقها وخصوصيتها. عندما يتراحم الناس ويتعاونون فيما بينهم، يختفون خلف أيديهم الحانية كل مظاهر الحاجة والحرمان، ويتبدد الألم الذي يثقل كاهل أخوتهم في الإنسانية، إذ إن غياب الرحمة يولّد درجات متراكمة من الجمود والقسوة التي تؤدي بدورها إلى تفكك اجتماعي، فتظهر شرائح مجتمعية هشة تعاني من التهميش والاستضعاف.
في الوقت الذي نعيش فيه تحديات ومآسٍ كثيرة، يصبح العطاء والرحمة بمثابة طوق نجاة لمن أنهكتهم الحياة، وتظل تلك المبادئ الأصيلة التي تحفظ إنسانية المجتمع. وإذا ما نظرنا بتمعن إلى أسباب الظواهر السلبية كالفقر والاحتياج المُلحّ، نجد أنها لا تنبع فقط من نقص الموارد المادية أو تقصير الأنظمة، بل ترتبط في حقيقتها بعمق التركيبة النفسية والروحية للناس. الكرم الحقيقي واستشعار معاناة الآخرين ينبعان دوماً من أعماق الإنسان وروحه لا من وزن ما في جيبه. فالكرم لا يقاس بسخاء اليد بقدر ما يُقاس برغبة الروح في مد يد العطاء وإكرام المحتاجين وحفظ ماء وجوهم.
رحمة الإنسان تظهر جلية في تعاملاته اليومية، خصوصاً حين يحترم كرامة من لجأ إليه وطلب المساعدة. هذا الاحترام قد يتجلى بأشكال مختلفة، منها الحرص على عدم إحراج المحتاج، وعدم جعل العطاء مناسبة للتباهي أو الظهور. نشاهد اليوم أمثلة رائعة على تطبيق هذا المفهوم النبيل؛ فهناك العديد من أصحاب المحال التجارية الذين يبادرون بتخصيص أماكن تحتوي على مؤن ومواد غذائية تُقدّم للمحتاجين مجانًا، في خطوة تتسم بالبساطة لكنها مليئة بالمعاني العميقة للعطف والإنسانية. البعض الآخر يتجه خطوة أبعد؛ حيث يفضل زيارة المحتاجين مباشرة إلى منازلهم بهدوء وسرية تامة، ليمنحهم ما يعينهم على صعوبات الحياة وفي نفس الوقت يحافظ على كرامتهم.
هذه المظاهر الإنسانية السامية تؤكد لنا أن الرحمة ليست سلعة تُشترى أو درسًا يُدرس، بل هي فطرة خالصة مغروسة في قلوب نقية تستشعر آلام الآخرين، وتجد رضاها وسعادتها في الإنجاز والاتصال بروح الإنسانية. الرحمة في جوهرها قوة تغير شكل الحياة تماماً، وتجعلها أقرب إلى الجمال والكمال، فهي رسالة نبيلة تنعكس بصمتها الواضحة على جميع المستويات. عندما تمتد رحمة الناس فيما بينهم بمحبة وتجرد، فإن سلسلة الحياة تسير بتناغم يجعل الخير يتوالى والخوف ينقشع والأمل يجتاح القلوب.
المجتمعات التي تتبنى ثقافة التعاون والتراحم تزدهر بشكل ملحوظ، لأن الإنسان بطبيعته مخلوق اجتماعي يعتمد على شريكه الإنساني لاستكمال النواقص وسد الاحتياجات. نحن نمثل لبناتٍ في بناء واحد؛ إذا تعاطفنا وساندنا بعضنا البعض فسوف يرتفع البنيان شامخاً. كل فعل إيجابي تنوي تقديمه يجعل منك سفيراً للجمال ولغة الإحسان، ورمزاً للمحبة والسلام الذي نتوق إليه جميعاً.
عطاؤك للآخرين ليس فقط رزقاً توجهه لغيرك بل إنه رسالة تتحدث عنك وعن صفاتك وإنسانيتك. يمكنك أن تكون غيمة تُمطر سخاءً دون أن تعرف لمن وجهت عطاياها تحديداً. قد تكون زهرة بيضاء تبعث عطرها أينما زرعت أو تحلّق محلقاً بجمالها وخيرها. فالإنسان الرائع هو الذي يمنح دون انتظار مقابل، لأن قناعته راسخة بأن خيرية الإنسان تكمن في نفعه لغيره.
جوهر الحياة يبدأ بالتعاون والمحبة والرحمة المتبادلة بين البشر، وبقدر ما نصنع السعادة لمن حولنا سنشعر بقيمتنا كأفراد ونرتقي كمجتمعات. فالصفات الإنسانية لا تقتصر أبداً على أطر دينية فقط، بل إنها سلوكيات وقيم عالية



