الرئيسيةمقالات

البراغماتية اللغوية: اللغة بين القصد والفعل

فاطمة ابوواصل اغبارية

ليست اللغة مجرد كلمات تُرتّب وفق قواعد، بل هي أداة للفعل والتأثير. البراغماتية اللغوية تدرس كيف يُنتج المعنى في سياق تواصلي حيّ، لا فقط في القاموس أو النحو. إنها تبحث عن المكان الذي يلتقي فيه ما يقال مع ما يُقصد، وكيف يُفسّر المتلقي الكلام وفق توقعاته الثقافية والاجتماعية.

من الإشارة إلى الفعل

عندما تقول: هل يمكن أن تفتح النافذة؟، فالمعنى الفعلي لا يتوقف عند السؤال عن الإمكانية، بل قد يحمل طلبًا مباشرًا. هنا تتدخل البراغماتية لتكشف المعنى المقصود خلف الكلمات، مستندةً إلى:

نية المتكلم: ما يريد فعله بالكلام.

توقع المتلقي: كيف سيفهم الكلام ويستجيب له.

سياق الحوار: المكان، الوقت، والعلاقة بين الطرفين.

أفعال الكلام: من النظرية إلى التطبيق

أوضح جون أوستن أن الكلام هو فعل. فالعبارة أعدك ليست مجرد جملة، بل وعد يتحقق بمجرد النطق بها. وطوّر جون سيرل هذا المفهوم لتمييز أنواع أفعال الكلام:

1. الفعل اللفظي: النطق بالجملة.

2. الفعل الإنجازي: إتمام ما تشير إليه الجملة (مثل الوعد أو الطلب).

3. الفعل التأثيري: التأثير على المتلقي وتحريك سلوكه.

السياق والضمنيات

البراغماتية تمنحنا أدوات لفهم المعنى الضمني، مثل:

• الاستدلال على النوايا غير المعلنة.

• تفسير الصمت أو الإيماءات.

• فهم النكات والسخرية التي لا يمكن حصرها في المعجم وحده.

مثال عربي حيّ: في الحديث اليومي، قد يقول أحدهم: الخبزنفدمنالفرن، ليقصد ضمنيًا: أحضرخبزًاآخرأوساعدنيفيالشراء. البراغماتية تكشف هذا المعنى المخفي.

في العربية: من البلاغة إلى التداول

البلاغة العربية منذ القدم عرفت الفرق بين المعنى الظاهر والمعنى المقصود، لكنها لم تمنح دائمًا أدوات منهجية لتحليل السياق الاجتماعي والنفسي. البراغماتية الحديثة توفر هذا الإطار، ما يتيح فهم الخطاب السياسي، الإعلامي، والديني، وحتى الرقمي، بشكل دقيق ومتعدد الأبعاد.

خلاصة

البراغماتية اللغوية تدعونا لتجاوز الكلمات وحدها، والبحث عن الفعل الذي تحدثه اللغة في حياة الناس. إنها تفتح نافذة على فهم أعمق، حيث يصبح الكلام ليس مجرد وصف للعالم، بل جزءًا من صناعة العالم نفسه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى