القس والإمام قصة السلام الذي وُلد من رماد الكراهية
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنساني

لطالما عانقت الإنسانية في أعماق تاريخها تساؤلات معقدة تحيط بكيانها المحمل بالأمل والألم على حد سواء وفي عالم يزداد صخبه بالصراعات والاختلافات تتجلى صورة الإنسان في أبشع ثنائياته وحيث يُعَرِّف أحدنا الآخر بلونه أو عرقه أو جغرافيته قبل أن يُطل على جوهره الإنساني ورغم هذه التحديات تظهر أحيانًا قصص تلامس القلب وتَسِيرُ بيننا كضوء في عتمة الدروب تمنح الأمل وتثبت إمكانية السلام في وجه عواصف الحقد ومن بين هذه القصص الملهمة تبرز بشكل استثنائي حكاية القس جيمس ووي والإمام محمد أشفة ؛
في خريف عام 2008 دعوت هذين الرجلين لمؤتمر حوار الأديان المنعقد بفندق الرشيد في بغداد وكانت لحظة لقائي بهما كالنافذة التي فتحت على عالم مليء بالحكمة والسلام المتجذر في المعاناة وضمن هذا الحدث التاريخي وعلى هامش المؤتمر أُتيحت لي فرصة العمل معهما لإعداد حلقتين لصالح قناة العراقية وفلما وثائقياً حيث سردا فيهما ملاحم إنسانية نُسجت من آلامٍ وقصصٍ مأساوية وكشفا كيف انقلب اليأس إلى إرادة والكراهية إلى محبة ليكونا نموذجًا حيًا لمعنى الانتماء إلى البشرية جميعها دون قيد أو شرط تحمل قصة القس جيمس والإمام محمد عمقًا إنسانيًا نادرًا يتجاوز الحواجز الطائفية والجغرافية وتقاطعت مسارات حياتهما في نيجيريا وسط أتون صراع طائفي مدمر اشتعل منذ عام 1992 في ولاية كادونا حينها كان القس جيمس ووي والشيخ محمد أشفة يقفان على ضفتين متقابلتين من الحرب الأهلية كل منهما ممثل لفئة دينية ومشارك نشط في ميليشيات مسلحة كرّست الانقسام والضغينة وتعرّض كلاهما لخسائر فادحة خلال الصراع إذ فقد القس جيمس ذراعه اليسرى في إحدى المعارك وبينما فقد الشيخ محمد معلمه المقرب واثنين من أبناء عمومته وتلك الجراح العميقة لم تكن كافية لأرضاء مخزون الغضب داخل الشيخ محمد الذي كانت فكرة الانتقام تستحوذ على فكره لسنوات عديدة ولكن ما أعظم التحول الإنساني الذي يجعل من عدو الأمس شريكًا وثيقًا في رحلة إصلاح كبرى وبعد ثلاث سنوات من الصراع الداخلي الذي اجتاح نفس محمد أشفة وجد نفسه مستسلمًا أمام النور الحقيقي للإسلام الذي يزرع التسامح ويتجلى في قيم قبوله للآخر والتسامح مع المختلف دينًا وعرقًا فاستجاب لصوت الإيمان ودعا الله أن يُزيل من قلبه كُره القس جيمس وفي المقابل كان القس جيمس يعيش مسيرة تصالح مماثلة لقد بدأ رحلة شفاء داخلي حين سمع مقولة شهيرة من أحد الأساقفة لا يمكنك التبشير برسالة المسيح وأنت تحمل الكراهية في قلبك عند تلك اللحظة تبددت شكوكه تجاه نوايا الإمام وجال بخاطره أن السلام ممكن بين قلوب أحرقتها النيران ولكنها ما زالت تنبض بالحياة
وبدأت حينها رحلة جديدة للقس والإمام انطلقت برغبتهما الصادقة في حماية المجتمع من شبح الفتنة والطائفية الذي كاد أن يدمر كل ما بقي اتحد الاثنان بروح التعاون والتسامح وأسسا منظمة مركز الوساطة بين الأديان أصبح هذا المركز منصة للحوار والمصالحة بين المسلمين والمسيحيين في نيجيريا حيث تمكنوا من إنهاء العديد من النزاعات الطائفية التي قسمت البلاد ووحدوا الكثير من الجبهات وكانت إحدى أبرز إنجازاتهما الجهود المبذولة خلال عام 2001 لتمهيد الطريق أمام اتفاق داكوتا الذي أوقف دوامة العنف وفتح صفحة جديدة من السلام والتعايش بين الفئات المختلفة وسرعان ما أصبحت قصتهما ملهمة للعالم أجمع حيث تنقلا بين الدول لنشر رسالة السلام والمحبة عبر تدريبات ومحاضرات تجسد روح التسامح الإنساني الأصيل وتُوجت مسيرة هذين المناضلين بجائزة الابتكار من أجل الحوار بين الثقافات والتي تمنحها الأمم المتحدة كما ودُعيا لعقد لقاءات وورش عمل عابرة للحدود لتعزيز روح التفاهم بين الأديان وهنا تكمن قوة قصتهما في عمّق تأثيرها ولم تقف جهود القس والإمام عند حدود نيجيريا فحسب بل أصبحت قصتهما مصدر إلهام واليوم بعد مرور سنوات على انطلاق رحلتهما المشتركة تُواصل هذه الحكاية إلهام الملايين حول العالم ولقد أظهرت كيف يمكن أن تخرج القوة من رحم المعاناة وكيف يمكن للحب أن ينمو وسط الخراب القس والإمام ليسا مجرد شخصيتين تجاوزتا خلافاتهما بل هما رمزٌ حي يُذكِّرنا بأن الأمل دائمًا ممكن وأن السلام يبدأ بخطوة واحدة خطوة نحو الآخر.



