الإعلاميون خارج الصورة… الوجه الخفي لبعض المهرجانات الدولية
بقلم: ماهر حشاش صحفي ومخرج سينمائي – الدنمارك

ليس الهدف من هذا المقال مهاجمة مهرجان بعينه، أو التقليل من قيمة أي تظاهرة سينمائية أو ثقافية، فهناك مهرجانات دولية تقدم نماذج راقية في احترام الإعلام وتقدير دوره. لكن، في المقابل، هناك ظاهرة تتكرر في أكثر من مهرجان دولي، وأصبحت محل حديث بين كثير من الإعلاميين الذين يغطون هذه الفعاليات عامًا بعد عام.

هذه ليست تجربة فردية، ولا موقفًا شخصيًا، بل خلاصة شهادات وتجارب متكررة عاشها صحفيون وإعلاميون من مؤسسات مختلفة، ولدينا من الوقائع والأمثلة ما يكفي لإثبات أن هذه الممارسات موجودة، حتى وإن اختلفت نسبتها من مهرجان إلى آخر.
الإعلام هو الشريك الحقيقي في نجاح أي مهرجان. فمن خلاله تصل الأفلام إلى جمهورها، وتُعرّف التجارب الجديدة، وتُوثق اللحظات التي تبقى في ذاكرة الثقافة والسينما. ومع ذلك، ما زالت بعض إدارات المهرجانات تتعامل مع الإعلاميين وفق تصنيف غير معلن، يقسمهم إلى درجات، لا على أساس المهنية، بل وفق حجم المؤسسة الإعلامية أو شهرتها.
فالإعلام المرئي، ولا سيما المحطات التلفزيونية الكبرى والوكالات العالمية، يحظى في كثير من الأحيان بالأولوية في الحصول على التصاريح، والدخول إلى مناطق التغطية، وإجراء المقابلات، وحضور الفعاليات الخاصة. أما الصحافة المكتوبة، والمواقع الإلكترونية، والصحفيون المستقلون، فيجد كثير منهم أنفسهم في آخر قائمة الاهتمام، رغم أنهم يؤدون الرسالة الإعلامية نفسها.
وتبدأ المعاناة منذ لحظة الوصول إلى مركز الاعتماد الإعلامي، حيث يقف بعض الصحفيين في طوابير طويلة للحصول على بطاقة دخول إلى مؤتمر صحفي أو ندوة خاصة، بينما يحصل آخرون عليها مباشرة. وبعد ساعات من الانتظار، قد يُفاجأ الصحفي بأن العدد اكتمل، أو أن القاعة لم تعد تستوعب مزيدًا من الحضور، ليغادر دون أن يتمكن من أداء مهمته.
وفي حالات أخرى، يُمنع إعلاميون معتمدون رسميًا من دخول بعض المناطق المخصصة للتغطية، أو يُحرمون من حضور حفلي الافتتاح أو الختام بحجة محدودية المقاعد، في الوقت الذي تُمنح فيه الدعوات لجهات أخرى. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يُطلب من الصحفي أن ينقل حدثًا لم يُسمح له أصلًا بحضوره؟
وتزداد مرارة المشهد عندما يكون الصحفي قد تكفل بجميع نفقات سفره وإقامته من ماله الخاص، دون أي دعم من إدارة المهرجان أو المؤسسة التي يعمل معها. يأتي بدافع الشغف والإيمان برسالته المهنية، لكنه يُعامل أحيانًا وكأنه عبء على المنظمين، لا شريكًا في نجاح الحدث.
ولا يتعلق الأمر بالامتيازات أو بالمطالبة بمعاملة خاصة، بل بأبسط الحقوق المهنية التي تتيح للصحفي القيام بعمله. فالإعلامي لا يطلب مقعدًا في الصف الأول، وإنما يطلب فرصة عادلة للوصول إلى المعلومة، وحضور الفعاليات، وإجراء اللقاءات، أسوة بجميع زملائه.
إن استمرار هذا التصنيف بين الإعلام المرئي، والصحافة المكتوبة، والإعلام الرقمي، والإعلام المستقل، لا يخدم المهرجانات نفسها. فاليوم لم تعد قوة الوسيلة الإعلامية تُقاس بحجم الكاميرا أو اسم المؤسسة فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى الجمهور، وبما تقدمه من محتوى مهني ومؤثر. وكثير من المنصات الرقمية والصحف المستقلة باتت تحقق انتشارًا وتأثيرًا يفوق أحيانًا وسائل إعلام تقليدية عريقة.
لقد أثبتت تجارب العديد من المهرجانات الدولية أن احترام جميع الإعلاميين، وتوفير فرص متساوية لهم، ينعكس إيجابًا على صورة المهرجان ومكانته الدولية. أما التمييز، مهما كانت مبرراته، فإنه يخلق شعورًا بالإقصاء ويفقد المهرجان جزءًا من رسالته الثقافية التي تقوم أساسًا على الانفتاح والعدالة واحترام الآخر.
إن ما نطرحه اليوم ليس شكوى، بل دعوة صادقة إلى إدارات المهرجانات الدولية لمراجعة سياساتها الإعلامية، ووضع معايير واضحة وعادلة تضمن المساواة بين جميع الصحفيين، بعيدًا عن حجم المؤسسة أو شهرة الإعلامي أو نوع الوسيلة التي يمثلها.
ونكتب هذا المقال احترامًا للمهنة، وإيمانًا بأن النقد الموضوعي هو الطريق إلى تطوير المهرجانات الدولية، وليس الانتقاص منها. فكل ما نطالب به هو العدالة المهنية، والمساواة في التعامل مع جميع الإعلاميين، لأن نجاح أي مهرجان يبدأ باحترام من ينقل صورته إلى العالم.




