الإنجازات والتكريمات

تقديرًا لبطولته في العبور.. «همسة» تكرّم أحد أبطال أكتوبر العريف عبد اللطيف عبد الفتاح

الإعلامي إكرامي هاشم ممثل منظمة همسة في إيطاليا

 

في ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، وفي مناسبة وطنية تستعيد فيها مصر واحدة من أعظم صفحات تاريخها الحديث، حرصت منظمة همس السماء الثقافية الدولية لتنمية المرأة والطفل على تكريم أحد أبطال ملحمة العبور، تقديرًا لما قدمه من تضحيات وما أداه من واجب خلال حرب أكتوبر 1973.

ومنحت المنظمة البطل العريف عبد اللطيف عبد الفتاح عبد اللطيف درعًا ووسام تقدير، عرفانًا بكونه أحد أبطال العبور الذين شاركوا في تلك الملحمة الخالدة، وتقديرًا لمسيرته الوطنية والعسكرية، وما تمثله شهادته وذكرياته من قيمة للأجيال الجديدة.

ويأتي هذا التكريم تأكيدًا على أن أبطال أكتوبر لا ينبغي أن تبقى بطولاتهم مجرد صفحات في كتب التاريخ، وإنما يجب أن تظل حاضرة في الذاكرة الوطنية، وأن تحظى بما تستحقه من تقدير واحتفاء، خاصة مع مرور 53 عامًا على انتصارات أكتوبر.

Oplus_131072

بطل من جيل العبور

العريف عبد اللطيف عبد الفتاح واحد من أبناء القوات المسلحة المصرية الذين التحقوا بالخدمة العسكرية عام 1969، وظل في صفوف الجيش حتى عام 1974، ليقضي نحو خمس سنوات من عمره في خدمة القوات المسلحة والوطن.

وكان ضمن الكتيبة 517 دفاع جوي، التي كانت متمركزة في منطقة الشيخ سلامة، قبل أن يصدر إليها الأمر بالتحرك في اليوم التالي للعبور إلى منطقة الشلوفة، واتخاذ مواقعها ومهامها على الجبهة.

Oplus_131072

وكانت مهمة عبد اللطيف داخل غرفة العمليات، حيث تولى رصد الطائرات المعادية ومتابعة تحركاتها والإبلاغ عنها فور ظهورها، في مهمة كانت تتطلب يقظة دائمة ودقة وسرعة في التعامل مع كل تطور تشهده سماء المعركة.

 

Oplus_131072

«الله أكبر».. لحظة لا ينساها البطل

ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة في وجدان عبد اللطيف، لحظة وصوله مع زملائه إلى أرض سيناء.

كان العبور بالنسبة لهم حلمًا طال انتظاره، وما إن وطأت أقدامهم رمال سيناء حتى تعالت أصوات الجنود:

«الله أكبر.. الله أكبر»

كانت الفرحة أكبر من أن توصف بالكلمات.

ويحكي البطل أن بعض الجنود أخذوا حفنات من رمال سيناء، فمنهم من شمها، ومنهم من وضعها على قلبه، في مشهد يعكس حجم ارتباط الجندي المصري بأرضه، وحجم الفرحة باسترداد جزء عزيز من الوطن.

لم تكن الرمال مجرد تراب بالنسبة لهؤلاء الجنود، وإنما كانت رمزًا لأرض عادوا إليها بعد سنوات من الانتظار، ودليلًا حيًا على أن الإرادة المصرية قادرة على تحقيق ما كان العالم يراه مستحيلًا.

عروس تنتظر عودة البطل

ولقصة عبد اللطيف جانب إنساني لا يقل تأثيرًا عن قصة المعركة.

ففي الثاني من أغسطس عام 1973، أي قبل اندلاع الحرب بنحو شهرين، عقد قرانه وأقيم زفافه على السيدة فايزة يوسف.

كانت الحرب تقترب، وكان كل جندي يعرف أن الذهاب إلى الجبهة يحمل معه احتمال عدم العودة، لكن ذلك لم يمنع العروس من استكمال حياتها مع الرجل الذي اختارته.

وتروي السيدة فايزة أنها كانت فخورة بأنها تتزوج من رجل يخدم وطنه، وأنها كانت ترى في زوجها بطلًا يستحق الفخر.

وحين اندلعت الحرب في السادس من أكتوبر، تحول الانتظار إلى دعاء يومي.

كانت تتمنى أن ينتصر زوجها وزملاؤه وأن يعود إليها سالمًا، وظلت على يقين بأن البطل سيعود من أرض المعركة، مهما كانت قسوة الظروف.

وكانت قصة فايزة واحدة من قصص آلاف الزوجات والأمهات المصريات اللاتي عشن أيام الحرب على وقع الدعاء والانتظار، بينما يخوض أبناؤهن وأزواجهن معركة الدفاع عن الوطن.

الحصار.. اختبار جديد للصمود

وبعد العبور، عاش عبد اللطيف مع زملائه فصلًا آخر من فصول الحرب، حين أصبح ضمن قوات الجيش الثالث التي تعرضت للحصار.

ويستعيد البطل تلك الفترة باعتبارها واحدة من أصعب مراحل حياته، بعدما عانى الجنود من نقص المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، وتحملوا ظروفًا بالغة القسوة استمرت لفترة طويلة.

لكن المعاناة، كما يروي، لم تستطع أن تهز عزيمتهم.

كانوا يدركون أنهم أدوا واجبهم تجاه مصر، وكان الإيمان بالنصر أقوى من قسوة الظروف.

تحملوا الجوع والخوف والحصار، وظلوا متمسكين بإرادتهم، لأنهم كانوا يعرفون أن ما يفعلونه لم يكن من أجل أنفسهم، وإنما من أجل وطن آمنوا به وضحوا من أجله.

من الجبهة إلى ميدان التعليم

خرج عبد اللطيف من القوات المسلحة عام 1974، لكنه لم يتوقف عن أداء رسالته الوطنية.

انتقل بعد ذلك إلى مجال التربية والتعليم، ليبدأ رحلة جديدة في خدمة الوطن، ولكن هذه المرة من خلال بناء الإنسان وتربية الأجيال.

وعمل في التربية والتعليم حتى وصل إلى درجة موجه أول، قبل أن يبلغ سن المعاش، ثم واصل بعد ذلك نشاطه في مجال التعليم، حيث يشارك حاليًا في إدارة إحدى المدارس الخاصة، رغم بلوغه الثمانينيات من عمره.

فإذا كان قد حمل السلاح يومًا دفاعًا عن الأرض، فإنه حمل بعد ذلك رسالة التعليم دفاعًا عن المستقبل.

تكريم لا يكرّم فردًا فقط.. بل يكرّم ذاكرة وطن

ومن هنا يأتي تكريم منظمة همس السماء الثقافية الدولية لتنمية المرأة والطفل للبطل عبد اللطيف عبد الفتاح، ليؤكد أن تكريم أبطال أكتوبر هو في جوهره تكريم لقيمة التضحية والانتماء والوطنية.

فالبطل الذي يقف اليوم في الثمانينيات من عمره لا يزال يحمل ذاكرة شاب عبر القناة، ووقف على رمال سيناء، وهتف مع رفاقه «الله أكبر»، ثم عاش أيام الحصار، قبل أن يعود إلى بيته وأسرته ويبدأ رحلة جديدة في خدمة الأجيال.

ويحرص عبد اللطيف على أن يروي لأبنائه وأحفاده ما عاشه، مؤكدًا أن ذكريات الحرب يجب ألا تختفي بمرور الزمن، وأن الأجيال الجديدة من حقها أن تعرف كيف صنع آباؤها وأجدادها النصر.

ويرى أن استعادة هذه الذكريات ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما رسالة للمستقبل، حتى يعرف الشباب أن الأوطان تُصان بالتضحية والعمل والإخلاص.

وبعد 53 عامًا من انتصارات أكتوبر، تظل حكاية العريف عبد اللطيف عبد الفتاح واحدة من آلاف الحكايات التي صنعت ملحمة النصر.

وحين تكرّم «همس السماء» هذا البطل اليوم، فإنها لا تمنحه مجرد درع أو وسام، وإنما تقول له ولرفاقه من أبطال أكتوبر: إن ما قدمتموه لمصر لم يذهب طي النسيان، وإن الأجيال ما زالت تتذكر من حملوا مشاعل النور وعبروا بها إلى المستقبل.

 

فأبطال أكتوبر ليسوا مجرد أسماء في سجلات التاريخ، وإنما شهود أحياء على لحظة فارقة في عمر الوطن، ورموز لقيمة ستظل الأجيال في حاجة إليها دائمًا: أن الإيمان بالوطن، حين يقترن بالإرادة والتضحية، قادر على تحويل المستحيل إلى نصر.

Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072
Oplus_131072

زر الذهاب إلى الأعلى