خواطر

الحب يعادل الروح / أسماء إلياس

توقفت عن العد. لم يعد لي مزاج حتى أحصي السنوات التي مرت من عمري، فقد قررت أن أعتبر كل يوم بداية جديدة، أنطلق منها لعالمي الجميل الذي يشع بالنور والتفاؤل.
هذه هي حكايتي مع زمن أقل ما يقال عنه بأنه سارق لأعمارنا التي نصرفها على أتفه الأمور. مثلاً نختلف على أمور كان من الأفضل أن نداويها بحديث أو بحوار لطيف ونعطي القليل من التسامح الذي نمتاز به.
هذه بداية قصة حدثت لشخص أعرفه تمام المعرفة فهو صديقي المقرب الذي أزوره دائماً وهو يزورني ويطمئن عليّ بين الحين والآخر، لكن عندما أخبرني عن قصته قررت كتابتها ونشرها حتى تكون عبرة للأجيال القادمة. هيا إذاً حتى نبدأ حكاية الصديق الذي هو بمثابة أخ لم تلده أمي.
وحتى تكونوا على بينة من الأمر فإن بطل الحكاية راجح فلاح. أما كاتب هذه الحكاية فهو خالد العالم.
في أحد الأيام بينما كان راجح يزور إحدى المنتجعات السياحية قابل هناك فتاة من أجمل النساء، طول فارع وجه ملائكي ابتسامة تجعلك تترك كل شيء وتتبعها، حاول التكلم معها لكن كل مرة كان يقترب منها حتى يطرح عليها السلام، ويكون ذلك بداية لحديث لتعارف، كان يحدث شيء لم يحسب له حساب، أحياناً كان يجيئها اتصال، وأحياناً أخرى يأتي من يحدثها ويقترب منها، فهي جميلة الجميلات والكل يريد التقرب منها.
في إحدى الأمسيات اللطيفة التي نسماتها تنعش الأبدان وجدها تجلس وحيدة تقرأ كتابا اقترب بهدوء وحتى لا يكسر هذا الهدوء الذي تعيشه، قرر الوقوف من مكان يراها ولكنها لا تراه حتى لا يسبب لها أي نوع من الإزعاج. لكن حركة غير ارادية منه جعلتها تلتفت نحوه، وعندما شاهدته ينظر نحوها نادت عليه بصوت كأنه همس النسيم.
– اقترب قليلاً حتى نتحدث لماذا تقف بعيداً
– الصحيح لا أريد أن اسبب لك أي نوع من الازعاج وأنا أراكِ مستغرقة بقراءة الكتاب.
– نعم معك حق طوال اليوم والكثيرون من محبي الاستطلاع يتجمهرون حولي حتى اصبحت أحب الانفراد بنفسي لا أريد أي نوع من الازعاج. لكنك انت بالذات شخصية مختلفة لقد لاحظت باليومين السابقين بأنك تريد التحدث لكن الظاهر خجلك كان يمنعك من الاقتراب، لذلك قررت عندما أشاهدك سوف أدعوك بنفسي للحديث معك.
– أشكرك على نبل أخلاقك، الصحيح الذي لفت انتباهي ليس فقط جمالك وقوامك بل كل شيء فيك جعلني متشوقا للحديث معك.
– هذا الشيء متبادل لذلك دعوتك حتى تجلس معي بهذا المكان الذي يخلو من محبي الاستطلاع. عرفني على نفسك من انت وماذا تفعل بحياتك؟
– الصحيح أنا لديّ شركة توزيع مستحضرات التجميل، اليوم لديَّ الكثير من المصانع بكل أنحاء البلاد وأفكر بفتح عدة فروع بعدة بلدان مجاورة، وجئت اليوم حتى أتفق مع عدد من الموردين ورجال أعمال من خارج البلاد حتى يكونوا موزعين حصريين لمنتجاتنا.
– جميل جدا يشرفني جداً التعرف على شخصية فعالة منتجة تعمل من أجل خدمة مجتمعها.
– وحضرتك ماذا تفعلين، على فكرة نسيت اخبارك باسمي، أنا راجح فلاح. أبحث عن رفيقة الحياة.
– هل يا ترى وجدتها؟ على فكرة أنا ياسمين مصممة أزياء ولدي مصنع وشركة توزع انتاجي للسوق المحلي.
– اليوم وجدتها.
– هل بالإمكان أن تعرفني عليها؟
– نعم يسرني ذلك، لكن في البداية يجب عليّ إخبارها بحقيقة مشاعري نحوها.
– من هي يا ترى التي سلبت عقلك؟
– هل تسمحين لي؟
– بكل تأكيد أسمح لك.
– أنت التي أحببتها رغماً عني.
كانت هناك فترة صمت قطعها راجح وقال:
– أنت فتاة مميزة، والذي لفت انتباهي إليك أنك إنسانة متواضعة تتحدثين مع الجميع ولا تكسرين خاطر أحد. هذا ما لاحظته خلال مراقبتي لك منذ وصولي ومنذ وقع نظري عليكِ.
– أشكرك على مجاملتك اللطيفة.
– لكني لا أجامل بل أقول الحقيقة التي رأيتها من خلال تعاملك مع الجميع.
عاد راجح لبيته وفي قلبه مشاعر جميلة. بقي على تواصل مع حبيبته ياسمين التي سلبت عقله، ولم يعد يهنأ له عيش دون أن يسمع صوتها ويطمئن عليها. حتى جاء اليوم الذي قرر فيها راجح بطلب يدها، اتصل بها ودار معهم هذا الحديث:
– اليوم خطر على بالي خاطر.
– ما هو؟
– أن أجيء مع والدي حتى اطلب يدك. ما رأيك؟
– رأيي أرحب بذلك كثيراً.
وهكذا سافر راجع لمدينة حيفا حتى يطلب يد حبيبته التي غزت قلبه واستحكمت بكل قلاعه. عند وصولهم للبيت كانت باستقبالهم عائلة ياسمين، وبعض من الأقارب الذين جاؤوا حتى يتعرفوا على النسيب المنتظر.
بعد بضعة أيام تمت الخطوبة بجو جميل يدعو للتفاؤل والحياة الجميلة التي تنتظر كلا الطرفين. بعد مرور ثلاثة شهور تم الزواج بحفل مهيب.
عاشوا بسعادة وتفاهم وخلفوا الأولاد والبنات وكانت حياتهم من أجمل ما يكون حسدهم عليها الكثير من الأزواج، فقد تساءلوا كيف لزوجين أن تبقى حياتهم طوال السنين التي عاشوها سوياً تفاهم وحب دون أن يدب بينهم خلاف. لكن الحياة الجميلة التي عاشاها فترة طويلة من الزمن جاء من يقول لهم كفى. حادث اليم وقع لكلا الزوجين حين كانا برحلة خارج البلاد لقضاء اسبوع نقاهة بعد عمل شاق استنفذ منهم طاقات كبيرة. ذلك الحادث الذي تسبب به إنسان لا يمتلك ادنى المسؤولية طائش متهور قاد سيارته بسرعة كبيرة مما جعله يصطدم بمجموعة كبيرة من المركبات على طريق مزدحم، مما أدى إلى اصابة ياسمين إصابة بالغة نقلت على اثرها للمستشفى، هناك تم انقاذها من الموت لكن الحادث تسبب لها في فقد قدرتها على السير.
عادا إلى البلاد حاول راجح أن يبحث عن علاج يشفيها لكن كمن كان يبحث عن “ابرة في كومة قش”. حتى جاء اليوم الذي تعرف فيه على معالج طبيعي، حدثه عن مشكلة زوجته التي أصيبت بحادث طريق. فما كان من المعالج إلا أن باشر بعلاجها حتى استطاعت بعد ثلاث سنوات من العلاج أن تعود لها القدرة على السير مرة أخرى.
لا يجب علينا أن نجعل اليأس يتملك حياتنا ما دمنا قادرين على النظر للبعيد والحياة دائما تخبئ لنا مفاجئات..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق