على لمْحِ البَصَر / سليمان دغش

مرَّتْ على لمحِ البَصَرْ
منْ أوَّلِ الليلِ الطَّويلِ لآخِرِ النَّجَماتِ أطفَأَها النّهارُ
بشَمسِهِ الأولى بَدَتْ للتَّوِ عارِيَةً بِلا خَجَلٍ يُؤَنِّبُها، كأنَّ النورَ لا
يُخفيهِ إلّا النورُ، إنَّ الشَّمسَ شاهِدَةٌ، إذا لاحَتْ على الأُفُقِ
البَعيدِ تلاشَتِ النَّجَماتُ وانطَفَأَ القَمَرْ
مَرَّتْ كَظِلِّ سَحابَةٍ لا شيءَ تُخفي تَحتَ ابطَيها
سوى وَعدِ المَطَرْ
مَرَّتْ جَناحَ فراشَةٍ في الريحِ مرهونٌ بعاصِفَةٍ إذا جُنَّتْ يَجِنُّ
بها الهوى فَتَطيرُ نحوَ الشّمسِ بَحثاً عنْ قناديل السَّماءِ لَعَلَّ
رؤيا النور والدِّفءِ المواكِبِ تَعتريها رُبَّ حُلمٍ صارَ أقرَبَ
كُلّما ارتَبَكَتْ على الحُلُمِ الرؤى
مَرَّتْ كعابِرَةِ السّبيلِ على مرايا السَّلسَبيلِ إلى غِوايَتِها
وغايَتِها بِهَيَئتِها اللطيفَةِ كالفَراشَةِ أرجَحَتها نَسمَةٌ سَكرى
تُهَدهِدُها اللطافَةُ، خِلتُها تخطو على رَخوِ الهواءِ، أكادُ
أُبصِرُها بِعَيْنَيْ شاعِرٍ يهذي بِها وَلَهاً فأَنطُرُها على
طَرَفِ السَّريرِ المُخمَلِيِّ لَعَلَّها تأتي فَتَعبرهُ وتَعبُرَني على
مَهَلٍ، تَمُرُّ على تَفاصيلِ القَصيدَةِ فِيَّ، تَكتُبُني فأَكتُبُها
بِهَمسِ أصابِعي فوقَ الرّخامِ المُستَبِدِّ بذاتِهِ في الرِّعشَةِ العَذراءِ
تَندِفُ ِمنْ مَخابِئِها الخَفِيَّةِ في خَريطَةِ عِطرِها، حَرِصَتْ على
تَوزيعِهِ سِراً تَخَفّى في مَعارِجِها الشَّهِيَّةِ والأقانيمِ الثَّلاثَةِ
منْ أنوثَتِها الشّقِيَّةِ، عَمَّدَتها في الصباحِ بِشَمسِهِ الكسلى وماءِ الوَردِ
والعِطرِ الفَرِنسِيِّ المُراوِغِ في إثارَتِهِ على مَدِّ الخَريطَةِ
في معارِج شَهوةٍ تَعلو وتَعلو ثُمَّ تَعلو شَهقَةً في إثرِ شَهقَتِها
فَتَستَرخي بِنَشوَتِها على سُجّادَةِ الكوما ودَنْدَنَةِ المَطَرْ
مَرَّتْ ووحدي كُنتُ أنتَظِرُ القَصيدَةَ أن تَجيءَ بما لَدَيها
منْ مَصابيحِ الغِوايَةِ في مَساءِ العاشِقَينِ، فَمَنْ يضيءُ
الشَّمعَ في محرابِ ليلَتِنا الطّويلَةِ، مَنْ يُعِدُّ لنا النّبيذَ
ويملأُ القدّاس موسيقى على ايقاعِ خلخالٍ يشارِكُ رَقصَها
الغَجَرِيَّ مُنتَشِياً كطاووسٍ يراوِدُ بطَّةَ الساقَينِ علَّ ينوسُها
عمَّا قريبٍ قبلَ أنْ يَرميهِ كاحِلُها قتيلاً ثُمَّ تبكيهِ قَليلاً
أو تقولُ قَدِ انتَحَرْ
مرَّت على ليلٍ يؤانِسُ وِحدَةَ العُشّاقِ والشُّعراءِ مهما طالَ
إنَّ الليلَ قيثارٌ سَماوِيٌّ على شَفَةِ النَّدامى والسَّمَرْ
مَرَّتْ هُناكَ كأنَّها مَرَّتْ هنا
مِن يومِها لا أشرَقتْ شمسٌ ولا طلعَ القمرْ
مرَّت على لمحِ البَصَرْ
( سليمان دغش )


