
يعدّ نظام الزكاة في الإسلام أداةً ديناميكية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان من القيود التي تكبل كرامته. ومع ذلك، يميل العقل الفقهي المعاصر أحياناً إلى تجميد بعض المصارف الثمانية في قوالب تاريخية ضيقة، لعل أبرزها مصرفا “في الرقاب” و**”ابن السبيل”**. إن الاعتقاد الشائع بأن “فك الرقبة” قد انتهى بانتهاء الرق التقليدي هو قصور في الفهم المقاصدي لشريعة جاءت لتحرير الإنسان في كل زمان ومكان.
إن العبودية في عصرنا الحالي لم تندثر، بل تحورت وتخفت وراء مسميات قانونية حديثة. فبينما حُظر الرق التقليدي بموجب المواثيق الدولية، لا تزال “التبعية المطلقة” و”سلب الإرادة” تمارَس بأشكال شتى. تشير تقارير منظمة “واك فري” (Walk Free Foundation) إلى أن الهند، على سبيل المثال، تضم أعداداً هائلة من الرازحين تحت وطأة العبودية الحديثة. ويتمثل هذا في نظام “الارتهان للدين” (Bonded Labour) و**”العمل القسري” (Forced Labour)**، حيث يُجبر الفرد على العمل لسنوات طوال لسداد ديون تافهة أو موروثة، في وضع لا يختلف جوهرياً عن رق الجاهلية.
إن مصرف “فك الرقبة” في المنظور الفقهي التجديدي يجب أن يمتد ليشمل تحرير العمال الرازحين تحت ظروف عمل غير إنسانية، وأولئك الذين تمارس ضدهم أشكال من العبودية القائمة على التمييز الطبقي أو العرقي الذي يسلبهم آدميتهم. كما يدخل في هذا الباب، وبقوة، السعي في إطلاق سراح “المظلومين” والغارمين الذين تقيدت حريتهم بسبب قضايا مالية أو سياسية تعسفية، إذ إن تخليص المسلم من الأسر والقيد هو جوهر عملية “الفك”.
أما فيما يخص مصرف “ابن السبيل”، فقد اختُزل تاريخياً في “المسافر المنقطع”، وهو تعريف لا يستوعب مأساة التحولات الديموغرافية والاجتماعية المعاصرة. إن “العمالة المهاجرة” (Interstate Migrant Workers) الذين يغادرون ديارهم بحثاً عن لقمة العيش، ويجدون أنفسهم في غربة قاسية بلا مأوى أو حماية، هم الأحق بلقب أبناء السبيل في عصرنا. هؤلاء، إلى جانب النازحين داخلياً (IDPs) بسبب النزاعات الطائفية أو الكوارث الطبيعية، يمثلون فئة هشة انقطعت بها السبل المادية والاجتماعية.
إن إهمال المؤسسات الزكوية لهذه المصارف يعكس فجوة بين النص الديني والواقع المعاش. لذا، وجب على الاجتهاد الفقهي المعاصر توجيه أموال الزكاة نحو تمويل مكاتب الدفاع القانوني عن المظلومين، وفك قيود العمال المرتهنين، ودعم المهاجرين والنازحين الذين سلبتهم الظروف حق الاستقرار والكرامة. إن الزكاة ليست مجرد “إحسان” لسد الجوع، بل هي “ثورة صامتة” لفك كل قيد يمنع الإنسان من ممارسة حريته التي وهبه الله إياها.


