فلسطين تراث وحضاره

حصان الطنطورة

حصان الطنطورة
لم يشهد أهل القرية حكاية حصان الطنطورة، فقد حدثت بعد تهجيرهم منها، رواها الجنود الذين بقوا يحرسون البلدة، حيث كانت وظيفتهم منع أهل الطنطورة من العودة اليها والعمل على إخفاء ما بقي من جثث الشهداء، الذين أعدموا والتي كانت مبعثرة بين البيوت وداخلها، وقد تحولت البلدة, بعد المجزرة والتهجير, الى ثكنة عسكرية يمنع الدخول اليها او الخروج منها الا بأمر عسكري.
بانو روتنبرغ هو مصور بارع, قدم من المانيا الى البلاد في سنوات الثلاثينات, وتم اختياره ليكون المصور الرسمي للمعارك التي تشارك بها العصابات الصهيونية, وقد أصر ان يوثق معركة الطنطورة بنفسه.
ينتبه الجنود أن بانو يصور كل ما يحدث في الطنطورة, يصور عمليات الفصل التي يقوم بها الجنود بين الشباب من اهل الطنطورة وبين النساء والاطفال والشيوخ, يصور الجنود وهم يأمرون شباب الطنطورة العزل ليقفوا بجانب الحائط ومن ثم يطلقون النار عليهم, يصور عمليات حفر القبور الجماعية يصور عمليات نقل الاطفال والنساء والشيوخ, وكذلك يصور الجنود وهم يقدمون الطعام والشراب الى اهالي الطنطورة, انه يصور ويوثق كل شيء.
عمر مصطفى 13 عاما, وقد فرحت أمه عندما تم ضمه الى مجموعة النساء والاطفال والشيوخ, وليس الى مجموعة الشباب. في اليوم الثاني يشكو الاطفال من الجوع والعطش, يصرخون ويبكون, تتوجه احدى النسوة وتطلب من احد الجنود ان يسمح لها بدخول البيوت لجمع الخبز والماء, يرفض الجندي ذلك وبعد كر وفر يسمح للطفل مصطفى بالقيام بهذه المهمة, في طريق عودته يرى مصطفى قائد الفرقة يتجادل بحدة مع بانو, يقف بالقرب منهم يستمع لفحوى الحديث, يطلب القائد من بانو عدم توثيق وتصوير حالات الاعدام وحفر القبور الجماعية, يدور بينهم نقاش طويل, يتم الاتفاق بينهم أن يستمر بانو بتوثيق وتصوير كل شيء على أن لا ينشر اي صورة الا بإذن من المسؤولين.
ينتبه أحد الجنود الى مصطفى, ويتوجه اليه بشكل مهين ويطلب منه أن يترك المكان, وما ان طلب مصطفى من ذلك الجندي أن لا يهينه حتى انهال على رأسه بعقب البندقية فأغمي عليه, تركض بعض النسوة باتجاه مصطفى ويحملنه باتجاه المكان الذي يتمركزن به, يبقى مصطفى مغمى عليه لساعات طويلة ويستيقظ من غيبوبته في ساعات المساء, يسأل مصطفى والدته لماذا تم نقل كل هذه اللحف من البيوت الى الخارج, تجيبه والدته باكية انها ليس لحف, انها جثامين شباب الطنطورة, ومن بينهم جثامين أخيه وأبيه.
كان سكان زمرين (زخرون يعكوب) ينظرون بعين الحسد الى جيرانهم من اهل الطنطورة ويستكثرون عليهم العز والرخاء الذي ينعمون به, والارض الخصبة التي يمتلكونها والتي تعود عليهم بالمردود الوفير, والبيوت الفخمة المبنية من الحجر والتي تعانق شاطئ البحر الجميل, حتى أنهم قد أطلقوا عليها لقب “لؤلؤة البحر”, وما أن علموا بسقوط البلدة وتهجير جيرانهم حتى هرعوا الى البيوت يسلبون وينهبون أثاث البيوت, والملابس العصرية والسجاد الفاخر واللوحات الفنية ومخازن المحاصيل, وأخذوا يفتشون عن الاموال والحلي في أدراج الخزائن ولم تمنعهم من ذلك رائحة الموت المنبعثة من جثث الشهداء والقبور الجماعية, ولا تواجد الجنود في المكان وبدورهم أخذوا يشاركونهم أعمال السلب والنهب, وظل الامر على ذلك الى ان تم إصدار أمر عسكري يلزم الجنود بنقل ما تبقى من الغنائم الى مركز تخزين خاص في أطراف البلدة.
كان الجنود منشغلين بأعمال السلب والنهب عندما زارت رشيدة قبر زوجها الموجود على الأطراف الشرقية للبلدة, بالقرب من سكة الحديد، تاركة بنتيها الرضيعتين عند اختها في قرية الفريديس، فلم يرها منهم أحد. كان زوج رشيدة، محمد إحسان الاعمر, اول شهداء الطنطورة، كانت مهمته حراسة البلدة من الجهة الشرقية، بالقرب من سكة الحديد، وفي المساء فاجأه افراد عصابة الكسندروني وقتلوه، لا تعرف رشيدة من قام بدفن زوجها في المكان الذي استشهد به.
بعد نحو اسبوعين من احتلال الطنطورة حضر الى المكان ممثل شركة هخشرات هييشوف، وهي شركة صهيونية وظيفتها توطين القادمين الجدد اليهود، كان اسمه حاييم جافتي من كيبوتس جيفت في منطقة مرج ابن عامر، حاييم شخصية مهمة وبارزة في حزب مباي وأصبح لاحقا وزير الزراعة، كان هدفه فحص إمكانية توطين اليهود في البلدة وتوزيع خيراتها من محاصيل وبهائم واراض بين الكيبوتسات القريبة.
بعد يوم من زيارته كتب حاييم الى زوجته باتيا رسالة يلخص بها زيارته الى قرية الطنطورة، يقول فيها ” البارحة زرت الطنطورة، هذه البلدة تم احتلالها قبل ايام قليلة، عرض علي ان احضر الى هناك, تجولت بها بالأمس، انها لؤلؤة فريدة من نوعها. يوجد بها كل المواصفات اللازمة لإقامة قرية بحرية كبيرة, تضم اراضي خصبة ومياه وفيرة للري، في شاطئ بحرها يشع سعادة وصفاء لا توصف، ليس لها مثيل في البلاد، ينتظرها مستقبل عظيم. كل شيء جميل، عدا عيب واحد –أن كل هذا ليس من حقنا. هذه الاراضي املاك عربية ورغم انه تم تفريغها من سكانها الا اننا لا نستطيع رؤية هذا المكان كمستوطنات لنا، بالمناسبة هذه هي احدى أجمل القرى في البلاد: بيوت واسعة وفخمة ونظيفة مبينة من الحجارة الكبيرة والتي تتسع لإسكان المئات وحتى الاف من الناس…”. هذا ما لفت انتباه حاييم، لم تلفت انتباهه رائحة الدم والموت المنبعثة من بين البيوت والقبور الجماعية التي مر من فوقها.
في طريق عودته شاهد حاييم حصانا عربيا أصيلا يقف مطأطئ الرأس بجانب أحد البيوت الموجودة في أطراف البلدة، بعيدا عن مركز التخزين الذي جمعت به باقي الغنائم والبهائم، فسأل حاييم الجندي المرافق له عن سر هذا الحصان، فأخبره أن هذا بيت صاحبه وهو يرفض أن يغادره وكلما أحضرناه الى مركز التخزين هرب وعاد الى بيت صاحبه ليقف في نفس المكان، حتى تعب ومل الجنود منه وتركوه.
بعد ثلاثة ايام نشرت جريدة دافار خبرا يتناول زيارة حاييم جافتي الى الطنطورة، واصفة اياها بالمليئة بالخيرات من البسط والسجاد والخزائن والملابس الحديثة وادوات الخزف الرقيقة والزجاج الثمين, وتصف اراضي البلدة بالخصبة التي تنتج مئة وخمسين كيلوغرام من القمح للدونم الواحد، اما بيوتها جميلة ولطيفة وأفضل بكثير من الخيام التي زودها الجيش للمستوطنين، وتنهي الجريدة خبرها ان زيارة حاييم جافتي كانت تهدف الى كيفية تقسيم ال 15 ألف دونم التي تعود ملكيتها الى اهالي الطنطورة بين الكيبوتسات المختلفة.
في تلك الاثناء كانت رشيدة تحاول الوصول الى بيتها الواقع على شاطئ البحر، كان يحرجها ان تستمر بإعالة نفسها ورضيعتيها على بضع بيضات كان يرسلها لها خالها من اجزم التي لم تكن محتلة بعد، كان بيتها مليء بالخيرات وقسط ليس بيسير من الاموال والحلي، لم تستمع الى نصائح أهل البلدة من مخاطر دخول الطنطورة، وقد شجعها على ذلك أنه قبل ايام قليلة كانت قد وصلت الى قبر زوجها دون ان يراها او يمنعها أحد.
ما أن عبرت رشيدة سكة الحديد حتى شاهدها صالح العراقي، فأشهر بندقيته بوجهها. رشيدة تعرف صالح العراقي، انه رجل فقير وطالما طلب المساعدة منها -ومن عائلتها -ولم تبخل يوما عليه، لم يمنعها من ذلك انه يهودي. صرخت رشيدة صوب صالح تعرفه بنفسها فلم يطلق النار عليها بل أطلق وابلا من الشتائم والمسبات مهددا اياها انه في حال عودتها فلن يتردد في إطلاق النار عليها تنفيذا للقانون والاوامر التي استلمها.
لم تستطع رشيدة الوصول الى بيتها، وفي طريق عودتها الى قرية الفريديس شاهدت ثلاثة باصات ايجد مليئة بالركاب تدخل الطنطورة، تذكرت انه قبل ثلاثة اسابيع نقلت هذه الباصات من بقي حيا من الاطفال والنساء والشيوخ بالاتجاه المعاكس الى قرية الفريديس المجاورة، اما من بقي حيا من الشباب فقد تم نقلهم بهذه الباصات الى معسكرات الاسر، ولم تتبق في المكان الا جثث الشهداء.
بعد خمسة ايام من زيارة حاييم جافتي نقلت هذه الباصات الركاب من كريات حاييم الى الطنطورة، هؤلاء الناس كانوا من القادمين الجدد، معظمهم من تركيا وجزء منهم من الناجين من المحرقة في بولندا، أقاموا في كريات حاييم مؤقتا، حتى يتم ايجاد المكان الملائم لإقامه كيبوتس يناسبهم، ولقد اندهش وانبهر هؤلاء من جمال الطنطورة وفخامة بيوتها وصفاء شواطئها وقرروا على الفور اقامة كيبوتس مكان الطنطورة اسموه نحشوليم والتي تعني (أمواج) معلنين بذلك نيتهم على العمل في صيد الاسماك.
بعد دخولهم القرية بدأ المستوطنون الجدد تقسيم الغنائم بينهم، بداية قسموا بيوت القرية وبعد ذلك ما تبقى من أثاث ومحاصيل وبهائم والتي لم يكمل سكان زمرين – زخرون يعكوب سلبها ونهبها، لم يتساءل أحد منهم عن مصير أهالي البلدة او عن رائحة الدم والموت التي تنبعث من كل زاوية.
في ذلك اليوم الذي أعلن به القادمون الجدد عن اقامة كيبوس نحشوليم كانت قوات الجيش تطوق قرية الفريديس، فقد استلمت قيادة المنطقة قرارا عليها تنفيذه بعد يومين يأمرهم بتهجير نساء واطفال وشيوخ ومرضى، لم يتضمن القرار تهجير الشباب, وبدأت بالفعل بتحضير سجل بأسمائهم، أما نص الرسالة التي استلموها فكانت تحت عنوان ” نقل نساء واطفال الطنطورة الى الخطوط العربية”: 1. حسب تعليمات القيادة العامة اكا/1 ينقل كل النساء والاطفال العرب من اهل الطنطورة الموجودين في الفريديس، كذلك كل الشيوخ والمرضى الموجودين في حظيرة ام وليد الى الخطوط العربية. 2. يتم تنفيذ النقل يوم 48/06/18. 3. خط المواصلات يزود المركبات لنقل 1800 نسمة من الفريديس الى كفار يونا. 4. خط الخدمات الطبية يزود سيارة اسعاف ومسعفين لمرافقة القافلة…………. 7. على كل المركبات والمرافقين التواجد على طريق تل ابيب حيفا في مدخل الفريديس في موعد اقصاه 48/06/18 الساعة 08:00.” . يا ترى من تكون ام وليد ومن كان بحظيرتها!!
لم ترغب قيادة المنطقة بطرد اهالي الطنطورة دون موافقتهم، فبالتالي وبعد اعلان قيام اسرائيل أصبحوا هؤلاء مواطنين في هذه الدولة، ولا يصح طرد مواطن من دولته الا بموافقته والا سيعتبر ذلك مخالفا للقانون الدولي، ولذلك تجمعت قوات الجيش ودخلت القرية لإرغام اهالي الطنطورة التوقيع على موافقتهم للطرد من الفريديس.
كل هذه الاحداث حصلت ما بين مساء الثاني والعشرين من ذلك الشهر المشؤوم, شهر أيار- مايو, وحتى الثامن عشر من الشهر الذي يليه, شهر حزيران- يونيو, ولا زال حصان الطنطورة مصرا على الوقوف
مطأطئ الرأس ينتظر صاحبه.
جهاد ابوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × اثنان =

إغلاق