مقالات

مع ديوان “يافا اموتُ لأجلها” للشاعر عبد الحي إغباريه بقلم: شاكر فريد حسن

كان الشاعر الأستاذ عبد الحي إغباريه، من قرية جتالمثلث، قد أرسل لي قبل فترة طويلة ديوانه الشعري الموسوم  يافا اموتُ لأجلها “، الصادر العام 2013.

يقع الديوان في 189 من الحجم الصغير، ويحتوى بين حواشيه على قصائد عمودية موزونة، تحاكي الوطن وقضاياه، وتتغنى بالمدن الفلسطينية، وتركز على حُبّ يافا، التي قضى فيها ردحًا من الزمن مدرسًا لموضوعي اللغة العربية والدين الإسلامي بمدرسة عرفة، حتى أصبح واحدًا من أهلها، عاشقًا لشوارعها وأزقتها وبحرها وشاطئها الجميل، ومتغنيًا بجمالها وتاريخها العريق.

قدم للديوان البروفيسور لطفي منصور، ومما قاله:” الحقَّأقولُ لكَ يا طالبي العزيز، لقد عَهِدتُك دائمًا جادًّا فِي عملك وتعلُّمِكَ قارئًا للعربيَّة، ومِن عُشَّاقِها. وكنتُ أتوسَّمُ فيكَ دائمًا الإبداعَ والتّقدُمَ والتَّجدِيدَ. وقد راقَني شعرُكَ الرائِعُ فِي كَثيرٍ مِن قصائدِكَ. ولم تُفاجِئِني شاعِريَّتُكَ لأنّنِي كُنتُ على يقينٍ بأنَّكَ ستصل يومًا ما إلى الشّعرِ الحقِّ. وهَا أنتَ قد وصلتَ. والذي فاجأني هُوَ تَأَخُّرُكَ في نشر هذه القصائدِ التي نُظِمَ قِسمٌ مِنها قبل أكثر من ثلاثةِ عقودٍ. والآن حان الوقت لأن تُنشرَ”.

عبد الحي إغباريه شاعر لم يحظَ بالشهرة، ويختلف عن غيره من الشعراء، فهو ممن لا يجيدون ويتقنون فن التسويق الاعلامي والتزاحم على المنصات. اكتوى بجمرة الحروف، وشعلة نار الكلمات، وتمكن من أن يعجن صلصال حروفه ويسكبها في قالب شعري فني، ويقدمها لنا على طبق حريري رقيق ناعم وهادئ، بصورة دقيقة للغاية. جاءت قصائده عذبة الألفاظ، عميقة الأبعاد والمعاني، صادقة وشفافة إلى أبعد الحدود، جميلة الإيقاع، فيها الصور المدهشة، واللوحات الابداعية الفنية الخلابة، الممتلئة بالصفاء الروحي والمشاعر الإنسانية، والمترعة بالجمال والروعة، والحافلة بالتشبيهات والاستعارات البلاغية.

وما يشدنا إلى قصائده أسلوبه الانسيابي العفوي المتميز، السهل الممتنع، الذي يسيطر على مجمل نصوصه، التي ترتدي حلّة قشيبة زاهية، بإيقاعات داخلية ذات نغم له وقع خاص، ومن خلال جمل وتعابير شعرية تحمل ظلالًا ومفردات غنية بمعانيها وصورها وخيالها الواسع الشاسع الخصب. لنسمعه في هذه القصيدة التي تشي بحبه ليافا الجميلة حد العشق، فيتغنى فيها، ويصفها بدرة تاج ملك الشرق، قائلًا:

تيهي دلالًا واسعدي

       يا فلذةً من كبدي

يا رمزَ حبٍّ سالفٍ

      ورمزَ حبٍّ أبدي

يا دُرّةًّ في تاج ملكِ

 الشّرقِ تيهي وأسعدي

يا غادةًّ حسناءَ ترفُلُ

      في دمقسٍ ترتدي  

جُودي بحُسنكِ وانعمي

    جُودي ولا تتردّدي

يافا سنا إشراقةٍ

       بدرٌ بعزِّ المولدِ

يافا جوادٌ جامحٌ

  طورًا يروحُ ويغتدي

يافا الأصالةُ والحداثةُ

       والتجدُّدُ في الغدِ

يافا تفيقُ بصبحها

          بتنفُّسٍ وتنهُّدِ

وتبيتُ عند مسائها

      بغُروبها المتوقدِ

وتظلُّ سهرى يقظةً

   حتى غيابِ الفرقدِ

يافا قِبابَكِ زانها

   نورٌ قويٌّ سرمَدي

وعلى الصّليبِ لآلئٌ

    أضواؤُها لا تخمدِ

وللمكان حظ وافر في قصائد الديوان، فهو لا يتحدث عن يافا فحسب، بل يحاكي ويناجي ويتغنى أيضًا بمدن فلسطينية تاريخية اخرى، كعكا وحيفا والقدس وغزة ويصفها بأجمل الصور والأوصاف. فعن مدينة الأسوار عكا، الذي آلمه ما آل وضع وحال الأحياء العربية فيها، فيقول:

عَكّا عَلى جُدْرَانِهَا التَّارِيخُ مَطْرُوحٌ حَزِين

وَيَفُوحُ فِي حَارَاتِهَا عَبَقُ السِّنِينِ بِهَا دَفِين

رَسَمَ الجُدُودُ عَلَى ثَرَاها لَوْحَةَ الفَتْحِ المُبِين

غطَّى غبَار القَهْرِ صُورَتَّهَا وأبْكَتْهَا الشُّجُون

عَكّا عَلى شُطآنِهَا يَحْلُو الجُلُوسُ مَعَ القَرِين

وَيُداعِبُ المَوْجُ الرِّمَالَ فَتَسْتَحِمُّ وَتَسْتَكِين

والسُّورُ فِي عَلْيَائِهِ يَجْلُو الأُمُورَ وَيَسْتَبِين

فِي جِسْمِهِ جَبَرُوتُهُ والقَلْبُ مأسُورٌ رَهِين

أما حيفا، فينشد لبحرها وسحر كرملها قائلًا:

والبَحرُ يَا حَيفَا يَحِنُّ لِمَوجَةٍ تَجْلُو الكُرُوب

شَوقَ الغَرِيبِ لأهلِهِ يَرجُو وَيَحلُمُ أن يَؤُوب

ضَاقت بِهِ الشُّطآنُ والخُذلَانُ والعَيشُ الكَئِيب

وَغدَا يَضِجُّ تَبَرُّمًا مِن هَداةِ المَوجِ الرَّتِيب

والكَرمِلُ المُخضَرُّ يُخفِي خَلفَ أشبَاحِ الضَّبَاب

أحلَامَ كَهلٍ خَالَجَت أنفَاسَهُ رُوحُ الشَّبَاب

يَصفَرُّ مِن ألمٍ إِذَا أزرَى بِهِ الدَّهرُ العَصِيب

وَيَعودُ يَزهُو يَانِعًا إن زَارَهُ طَيفُ الحَبِيب

ويكتب مخاطبًا القدس زهرة المدائن، بكل الإحساس الوطني، ومصورًا مواقعها الدينية ومعالمها الأثرية، فيقول:

فِي القُدسِ يّشكُو للعُروبَةِ مَسجِدٌ

             مَلَكَ القُلُوبَ وَأبهَرَ الأبصَارَا

مَسرَى الرَّسُولِ وَمِن عَلَى جَنَبَاتِهِ

            عَرَجَ السَّمَاءَ وَجَاوَرَ الأقمَارَا

يَلتَمُّ فِي أرجَائِهِ أهلُ التُّقَى

              يَتَذَاكَرُونَ الوِردَ والأذكَارَا

وَعَلى مآذِنِهِ الأهِلَّةُ أُزلِفَت

           تُجرِي مَع البَدرِ المُنِيرِ حِوَارَا

ولم ينس غزة وأطفالها غداة العدوان الاسرائيلي عليها، فيعبر عن وجعه وأساه من صور ومشاهد سفك ونزيف الدماء، واعتزازه بصمود الأهل الغزيين بوجه آلة الحرب العسكرية، فيقول:

كَبِّري يَا رِمَالُ زَهوًا وَعِزّه

          وَاغمُرِي بالحَنَانِ أطفَالَ غزَّه

وَاجْعَلِي مِن قوَارِبِ الصَّيدِ مَهدًا

          لِيَبقِيهِم مِن قارِسِ البَرْدِ وَخْزَه

وامْهَدِي أَرضَهُ مِهَادَ دِمَقْسِ

         وَافرُشِيهِ مِن نَاعِمِ الفَرْشِ خَزّه

قوَّضَت آلَةُ الدَّمَارِ عَلَيْهِم

        مَا وَقى جِسُمَهُم وَشَكَّلَ حِرزَه

وفي الديوان كثير من القصائد الوصفية والطبقية والوجدانية التي تحمل الطابع الإنساني والوطني والاجتماعي، فضلًا عن الرثائية والدينية. فيكتب عن الشام، وسحر الربيع، والمطر ، ورمضان، وليلة العيد، والأخلاق، والصداقة، والحياة، والأمل، وعن العمال المظلومين والمقهورين، ويدعوهم لتحطيم قيود الذل والإذعان، والصمود أمام الظلم والطغيان. كما يكتب عن أمه الراحلة عندما أدت فريضة الحج، وعن سيد الخلق الرسول الكريم ردًا على الهجمة الشرسة والرسومات المسيئة له، وعن بلده، ومدرسة البيروني في جت، والحكمة الابتدائية في باقة الغربية، والطفل نزار سكّيس من يافا، حيث ربطته بعائلته علاقة ود وصداقة، وكذلك يرثي أخته، وغير ذلك من موضوعات وثيمات.

واللافت أن عبد الحي إغباريه شديد التأني في النظم، وحريص على لغته ومفرداته، وعلى جمال الإيقاعات، والدقة المتناهية في اختيار كلماته. وقد جاءت أشعاره زاخرة بالرقة والطلاوة وعفة اليراع واللسان. وكما قال البروفيسور لطفي منصور:” قصائده تصدر عن نفس هادئة ثائرة، ذات سجيَّةٍ حيَّةٍ، وطبيعة خلّاقة دون صخب واضطراب، فالكلمات منتقاة بدراية ومعرفة، كل كلمة في موضعها الذي خُلِقَت له في السياق الشعريِّ، من الصعب استبدالها بكلمة اخرى، لأنها استكملت المعنى، وأبانت المقصود بكلِّ وضوح وشفافيَّة. وقلّما نجد له مثيلًا في أيامنا هذه. مع كثرة الشِّعر والشعراء من حولنا”.

لقد لمست في قصائد ديوان عبد الحي إغبارية وهويته الشعرية نضوجًا وعمقًا في المعاني، ودهشة في البوح والرسم والتصوير، والمتانة في اللغة، والتمكن منها، والدقة في الوصف، والرقة في السبك، وفي التعبير عن الإحساس الداخلي المتناغم، بلاغة وبيانًا ومجازًا واستعارات. وهو كما قال في قصيدته “أنا والشعر”، يشرّع أبوابًا مغلقة، وينشر في الدنيا القوافي، ويطرز الحروف أبياتًا منمقة، ويسلب القلوب سحرًا في معانيه، ويجول في الروض النضر يغازل اللفظ، ويناجي المعنى، ويعطر الفكر من أزاهيره، وينظم القول عقدًا من أقاحيه.

ألف تحية للشاعر المجيد البارع والملهم الأستاذ عبد الحي إغباريه، متمنيًا له المزيد من العطاء والإبداع والتألق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + 13 =

إغلاق