مقالات

أوراق من تاريخ النضال الوطني لقوى المعارضة البحرينية في الخارج (1 من 4)

كتب الاعلامي هاني الريس

مؤتمر صحفي ساخن للشيوخ الثلاثة المبعدين من البحرين في قاعة مجلس العموم البريطاني 1995

شهدت لندن في ذروة تصاعد أحداث الانتفاضة الدستورية في العام (1994)، أوسع وأهم مؤتمر صحفي لقوى المعارضة البحرينية في الخارج، عقد في إحدى القاعات الكبرى في مجلس العموم البريطاني، بتعاون مشترك من قبل حركة أحرار البحرين الاسلامية، ورئيس لجنة حقوق الانسان في مجلس اللوردات البريطاني، اللورد إيريك أوفبيري، وذلك بعد وصول الشيوخ الثلاثة المبعدين من البحرين إلى لندن، الشيخ علي سلمان، والشيخ حمزة الديري، والسيد حيدر الستري، في 15 كانون الثاني/ يناير 1995 والذي كان يعتبر بمثابة الشاهد الحقيقي على المأساة السياسية والامنية في البحرين في ذلك الوقت.

تحدث الشيوخ الثلاثة، بشكل مسهب ومفصل عن ثقافة التسلط والقمع والاستبداد المطلق، التي ظلت تمارسه السلطة البحرينية ضد الاصوات الوطنية والاسلامية المطالبة بالتغيير الحقيقي والجوهري في البلاد، وعن ظروف الاعتقال الصعبة والمضنية التي واجهتهم في غياهب المعتقل، ومن ثم قرار السلطات بإبعادهم بصورة قسرية إلى دولة الامارات العربية المتحدة، والتي لم يجدوا فيها ملاذا لهم.

شاركهم في الحديث كل من الدكتور منصور الجمري، ممثلا عن حركة أحرار البحرين الاسلامية، والشيخ عبدالحميد الرضي، ممثلا عن الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين، واللورد إيريك أوفبيري، وكان من المفترض أن تكون هناك مشاركة لممثل لجنة التنسيق بين الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة التحرير الوطني البحرينية، هاني الريس، إلا أن أحد الاخوة المحسوبين على الجبهة الاسلامية لتحرير البحرين، أقحم نفسه داخل المؤتمر واستعجل الأمور بالجلوس في الصف الامامي في المنصة الرئيسية التي يفترض أن تلتقي حولها جميع فصائل المعارضة البحرينية، وحجز مكانه في المقعد الامامي المعد للجنة التنسيق بين الشعبية والتحرير، وذلك بتصرف شخصي من جانبه، حيث لم يطلب منه أحدا من قبل الجلوس على هذا المقعد. ولكن احتراما لشخصه ولنضاله الوطني البعيد، ترك الجميع له الفرصة لكي يشترك في النقاش، وذلك من أجل تجنب حدوث أية إشكالية يمكن لها أن تعكر جو ذلك المؤتمر. ولكن عندما اشتكيت أمر ما قد حدث عند أحد الاشخاص القائمين على التنظيم قائلا: كيف يحصل مثل هذا التصرف وتغضون عنه البصر، سواء كان بقصد أو بغير قصد؟ ومن ثم انني ذكرته بأن لجنة التنسيق بين الشعبية والتحرير، ليست رقما بسيطا في المعادلة، انما هي تعد لاعبا رئيسيا في مجرى الاحداث الجارية الآن على الساحة البحرينية، ثم أنه انتم من تقدم لنا بالدعوة للمشاركة في المؤتمر، ولا يجوز بالمطلق أن تقصى وتحرم لجنة التنسيق من الظهور في الصورة كفصيل مقاوم في الساحة ولها رأيها الخاص في تقييم الوضع، وذلك لمجرد تلطيف الخواطر أو وجود نقطة ضعف في تنظيم المؤتمر، أجاب:” لا حول ولا قوة إلا بالله .. أن ذلك هو عين الصواب، ولكن ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟ لقد قضي الأمر و .. إحسبوها علينا ” ولكن هذا الرد في واقع الحال لم يساهم كثيرا في التخفيف من شعور الاقصاء الذي إنتاب لجنة التنسيق المشتركة، فقد غاب عن المؤتمر صوت سياسي معارض قوي كان يظهر بشكل منتظم في برامج الحوارات السياسية للمعارضة، ويشارك في مؤتمرات دولية للدفاع عن القضية الوطنية .

تناول المؤتمر، مجموعة هائلة من إرهاصات الازمة السياسية والامنية في البحرين، والاسباب والمسببات الكثيرة التي أشعلت شرارة هذه الانتفاضة، والمكاسب غير المشروعة التي تظل تتمتع بها العائلة الحاكمة على حساب شعب البحرين، وكذلك بالتفصيل ظروف الاعتقال التعسفي والنفي القسري للشيوخ الثلاثة المبعدين من البحرين إلى دولة الامارات العربية المتحدة، ومن بعدها قرار السفر إلى لندن، التي ساهمت فيه حركة أحرار البحرين الاسلامية بتشجيع معنوي للشيوخ الثلاثة من خلال الاتصالات الهاتفية المستمرة والعاجلة، وتزويدهم بالأمل ومساعدتهم في تقديم طلب اللجوء السياسي في لندن.

وللتذكير فأن الشيوخ الثلاثة قضوا أسابيعهم الأولى قبل أن تمنحهم السلطات البريطانية حق اللجوء، في ضيافة الدكتور سعيد الشهابي، في منزله المتواضع في لندن، هذا المنزل المضياف، الذي استقبل العديد من رموز وقادة الحركة الوطنية والاسلامية البحرينيين في حقبة سنوات الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وقدم لهم أفضل الخدمات المنزلية التي تليق بهم، وكان المناضل الوطني الكبير عبدالرحمن النعيمي وأنا ـ هاني الريس ـ من ضمن الاشخاص الذين استضافهم هذا المنزل بكل حفاوة وترحاب، حيث قضينا في رحابة أكثر من خمسة أيام بلياليها خلال مشاركتنا في المؤتمر السياسي الموسع للمعارضة البحرينية في العام 1996، وفي جلسات هذا المنزل، حكيت هناك العديد من القصص والروايات التي تناولت تاريخ النضال السياسي في البحرين، وبطولات المناضلين الملهمين والتاريخيين، الذي لايزال يعتز ويفتخر بنضالاتهم وتضحياتهم وصلابة مواقفهم الوطنية الشريفة شعب البحرين، وبحيث لا أتصور بأن أحدا من المواطنين البحرينيين من مناصري القضية الوطنية، الذين يصلون إلى لندن لم يأويهم أو يستضيفهم هذا المنزل، وأعتقد أن هناك آخرين مثلي ممن يؤيدون صحة تلك الحقيقة، وعلى الرغم من ذلك فقد كان هناك للاسف الشديد بعض الاشخاص الذين تنكروا للأفضال الكثيرة التي قدمها لهم الدكتور سعيد الشهابي، عندما أختلفوا معه في الافكار والتوجهات العديدة، التي كانت ترسم في خريطة النضال السياسي، وصاروا يشنون ضده حملات هجومية تستند إلى شائعات ومغالطات كثيرة ظل ينفيها بنفسه، وكذلك الاشخاص المحيطين به الذين ظلوا يعرفونه على حقيقته .

بعد حصول الشيوخ الثلاثة على حق اللجوء في بريطانيا، نشطوا سياسيا واعلاميا بشكل مستقل عن باقي التيارات السياسية البحرينية المعارضة العاملة في لندن، ذلك لانهم كانوا لا ينتمون إلى أي فصيل سياسي من فصائل المعارضة البحرينية، وفي عملية توافق بينهم اختاروا الشيخ علي سلمان، أن يكون الناطق باسمهم والشخص الأول الذي يمثلهم في الحوارات السياسية والمنتديات والتحدث في مختلف وسائل الاعلام، وقد التزم الشيخ علي سلمان بهذا القرار، وعبر عن استعداده للقيام بتلك المهمة على أفضل وجه، وتقديم مساهمات سخية للعمل النضالي من أجل خدمة القضية الوطنية.

وهذا ما كان قد حصل بالفعل خلال جميع سنوات وجوده في المنفى القسري في لندن من العام 1994 وحتى العام 2001، حيث كان ينشط بوتائر قوية على مختلف الاصعدة السياسية والثقافية والاعلامية، مع الالتزام الشديد بالحضور في جميع المناسبات السياسية والفعاليات الثقافية والدينية والمهرجانات والاعتصامات والتظاهرات، التي كانت تنظمها المعارضة البحرينية في لندن، ويكون دائما في مقدمة الاشخاص المبادرين في حضور تلك المناسبات، وذلك بخلاف العديد من الاشخاص الذين يعدون أنفسهم في عداد المعارضة (قادة وقواعد وأنصار) ولم نجدهم إلا في ما ندر من حالات الحضور المباشر في فعاليات واعتصامات المعارضة في لندن.

ولازلت اتذكر انه في إحدى الاعتصامات المهمة التي نظمت لمواجهة المعرض التجاري والاعلامي التي أقامته السلطة البحرينية في لندن للترويج عن أنشطتها التجارية الخاصة ونهضتها الاقتصادية المزعومة، وتكذيب ما تقوله عنها قوى المعارضة بشأن هبوط وترنح مستوى الاقتصاد الوطني العام، وتفشي الفساد في مختلف أجهزة الدولة الرسمية وغير الرسمية، لم يتواجد في هذا الاعتصام سوى ثلاثة أشخاص لا غير، وهم، الشيخ علي سلمان، والسيد هادي الموسوي (رئيس دائرة الحريات في جمعية الوفاق الاسلامية) وأنا، لدرجة أن هذا الامر أصبح جزءا من مشكلة انعدام علاقة العمل المشترك الجيدة بين مختلف قوى المعارضة العاملة في ساحة لندن، وعدم استعداد الكثير من الاشخاص لتقديم تضحيات سخية من أوقاتهم للمشاركة والمساهمة في التحركات الكثيرة، التي تحدث هناك في لندن، وقد ناقشنا هذه المعضلة مرات كثيرة في حواراتنا ولقاءاتنا، ولكن للأسف الشديد لم نصل إلى أية نتائج مثمرة في هذا الشأن .

أفتتح اللورد إيريك أوفبيري، المؤتمر الصحفي بكلمة ترحيبية خالصة بالشيوخ الثلاثة، وكذلك أيضا جميع من حظر المؤتمر، ومن بعدها إستعرض كافة التطورات السياسية والامنية الخطيرة التي شهدتها الساحة البحرينية في (هذا الوقت ) وقال: أن البحرين تعيش في الوقت الراهن أسوأ موجة عنف ممنهج منذ حوالي ربع قرن من الزمن بعد حل المجلس الوطني المنتخب، وتعطيل المواد الحيوية من دستور البحرين التعاقدي، وذلك بسبب مصادرة الحكم لجميع الحريات، وتفرده بصنع قرارات الدولة والمجتمع، واصراره على رفض الحوار المسؤول مع المعارضة لحل جميع الازمات والمشاكل الهامة والحساسة التي ظلت موضع صراع طويل، وأن احداث كثيرة وصعبة قد هزت البحرين مرات عديدة في السابق وتركت جراحا كثيرة في العلاقات بين الحكم والمجتمع، وذلك بسبب تعنت السلطات ورفضها معالجة الاوضاع بالوسائل الديمقراطية، ونخشى من أن تؤذي الاحداث الجارية اليوم على الساحة من تعميق وتجديد الجروح القديمة والوصول بالبلاد إلى منزلقات خطيرة وغير محمودة العواقب، وان موضوع تجاهل الارادة الشعبية من قبل السلطة الحاكمة في البحرين، يجب أن يزول في الحال وتتحقق جميع المطالب الشعبية .

وأعتبر اللورد إيريك أوفبيري، الحكم في البحرين، هو الجهة المسؤولة عن الوضع الصعب القائم في ذلك الوقت، بسبب اصراره على عدم الاكتراث برأي الشعب، ومعالجة الازمة السياسية بالوسائل السلمية، وعلى المماطلة بحل الصراع مع المعارضة بالوسائل الديمقراطية، بدلا من استخدامه القوة لردع الاحتجاجات المطلبية السلمية، تحت ذريعة حماية النظام والقانون ضد ما ظل يصفهم الحكم بـ” الخارجين عليه والمروجين للفتن الطائفية والمذهبية” والذي ظل يستخدمه دائما كسلاح فتاك ضد جميع القوى المناهضة لسياساته الاستبدادية والقمعية .

واما الشيوخ الثلاثة، فقد تحدث كل واحد منهم بشكل مكثف عن المعاناة والضغوط النفسية الهائلة، التي تصدت له خلال فترة الاعتقال التعسفي، وعملية الترحيل القسري إلى دولة الامارات العربية المتحدة، وذلك عبر ترجمة فورية من اللغة العربية إلى الانكليزية وبالعكس تولاها الدكتور منصور الجمري. وقد التقت أفكارهم عند أفكار جميع فصائل الحركة الوطنية والاسلامية، التي رأت بأن المعركة السياسية الحالية، التي تقودها الحركة المطلبية ضد النظام السياسي في البحرين، هي ليست معركة هجومية لتغيير الحكم، بل هي معركة سياسية مطلبية جوهرية من أجل الديمقراطية والحريات وعودة الحياة البرلمانية المعطلة طوال أكثر من ربع قرن من الزمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية الكاملة والشاملة، وتوفير الفرص المتكافئة والعمل لجميع المواطنين من دون تمييز أوتفضيل، والغاء قانون أمن الدولة السيء الصيت، الذي تسبب بكوارث كثيرة ومميتة في حق المعارضين البحرينيين، وفصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية عن بعضهم البعض، واطلاق سراح جميع النشطاء السياسيين والحقوقيين، الذين يرزحون داخل السجون في البحرين، والعودة غير المشروطة لجميع المبعدين والمنفيين وممن اضطروا للبقاء في الخارج بسبب الخوف من الاعتقال أوالبطش الهائل، وأنهم في النهاية يسعون لتشييد دولة برلمانية دستورية، على غرار الدول المتقدمة حول العالم، ومستقبل وطني مشرف، وأنهم سيظلون يدعمون جميع الاصلاحات التي قد تؤدي إلى المزيد من الانفتاح في ما يخص القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية التي أثقلت كاهل الدولة والمجتمع، وأنه يجب تسوية الصراع القائم الآن أما بالحوار المسؤول أو القانون.

وكانت هناك تفاصيل كثيرة ومتشعبة إستعرضها الجميع في المؤتمر الصحفي بشأن التطورات الخطيرة والصعبة، التي يمكن أن تهز البلاد في المستقبل، وكذلك السبل الكفيلة بمعالجتها ووضع نهاية للأزمة يكون النظام طرفا رئيسيا في حلها بالوسائل الديمقراطية، بدلاً من توجهه نحو ممارسة العنف تحت أية مبررات ومصوغات وذرائع شتى لا تنسجم مع حقيقة الوضع المأزوم، ولو تجاهل حل الازمة بالوسائل الديمقراطية، وأصر على رفض المطالب الشعبية، فإنه من الأرجح أن تشرع البلاد في مرحلة تاريخية صعبة، نحو مصير مجهول لا يعرف له مخرجا سوى انتصار طرفا على الآخر في معركة كسر العظم وتقليم الأضافر بين السلطة والمعارضة، وهذا ما لا يتمنى أحدا أن يسود.

وللتذكير فقط، فأنه في تاريخ 8 كانون الثاني/ يناير 1995، اقدمت السلطة البحرينية، على إبعاد ثمانية من رجال الدين البحرينيين الشيعة بشكل قسري، لدى وصولهم إلى مطار البحرين الدولي قادمين من مدينة قم الايرانية، حيث كانو يدرسون هناك العلوم الدينية، والشيوخ الثمانية الذين تم ابعادهم: الشيخ منير المعتوق، والشيخ ابراهيم الستري، والشيخ حميد، والشيخ محمود مصطفى الغريفي، والشيخ هاني عبدالله صالح، والشيخ الجفيري، والشيخ فؤاد المبارك، والشيخ جعفر الستري، وعاد جميعهم على متن طائرة متوجهة إلى ايران.

يتبع ..

الحلقة القادمة: قادة المعارضة البحرينية يشاركون في ندوة “البحرين .. شعب وقضية” عام 1994.

هاني الريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 1 =

إغلاق