خواطر

احترام آراء الغير وتقدير ظروفهم

بقلم أ.د.عبد الحفيظ الندوي

​على ضفاف أحد الأنهار، كانت تقف شجرتان. ذات يوم، أقبل طائر وفزع إلى الشجرة الأولى قائلًا: “أريد أن أضع بيضي، والمطر على وشك الهطول، فهل تأذنين لي أن أبني عشي بين أغصانك؟”

​رفضت الشجرة طلبه ولم تسمح له بذلك. وبقلبٍ حزين، توجه الطائر إلى الشجرة الأخرى وسألها المطلب ذاته، فوافقت الأخيرة بترحاب. فبنى الطائر عشه هناك ووضع بيضه.
​وفي اليوم التالي، عصفت ريح شديدة وهطل مطر غزير، فما كان من الشجرة الأولى إلا أن اقتُلعت من جذورها وسقطت في النهر. حينها سخر الطائر منها قائلًا: “بالأمس حين سألتكِ مأوىً، واجهتني بالرفض والتعالي، فهل رأيتِ الآن عاقبة صنيعكِ؟”
​أجابت الشجرة بهدوء: “كنتُ أعلم أنني هرمتُ وأنني قد أسقط في أي لحظة، فلو بنيتَ عشكَ عندي لهلكتَ أنت وفراخك، ولأجل ذلك منعتك…”؛ سكت الطائر مبهوتًا ولم يجد ما يرد به.
​إنَّ كل رفضٍ ليس بالضرورة نابعًا من الكبر. فلا أحد يملك القدرة على إرضاء الجميع دائمًا أو التفاني لأجل سعادة الآخرين في كل حين. فقد يكون لرفض المطالب أسباب شتى؛ ربما منعهم الخوف من أن يصيبهم مكروه، فما الفائدة من لوم من يغالب مخاوفه؟!
​إنَّ من لا يستطيع الوقوف بثبات على قدميه، كيف له أن يكون ظلاً لغيره؟! كما أنَّ ثقل المسؤوليات قد يحجز المرء عن خوض غمار فرص جديدة.
​إنَّ “عدم الرغبة” هو سبب واحد فقط من بين أسباب لا حصر لها، فإذا حصرنا الرفض في هذا السبب وحده، أسأنا الظن بالآخرين وفقدنا راحة بالنا. ولو دخلنا بيوت من يعارضوننا أو تعمقنا في نفوسهم، لعرفنا حقيقة أحوالهم.
​لكل إنسان ظروف يعلمها وحده، وهم لا يتعاملون مع الجميع بنمط واحد. فالكل يتصرف في حدود طاقته وقدراته، وعلينا إدراك ذلك قبل أن نصدر أحكامنا عليهم.
​إنَّ الكثير مما يسقط لا يعود للنهوض مرة أخرى، ليس بسبب قوة السقوط، بل بسبب قسوة أولئك الذين يشمتون في العثرات. فلا ينبغي أبدًا أن يتحول عدم نيل المرء لمنفعة من أخيه إلى دعاءٍ عليه بالبلاء.
​ولعلَّ لا شيء يساعدنا على فهم الآخرين وظروفهم بعمق مثل مدرسة الصيام، ونحن الآن نتجاوز النصف الأول من عشرة رمضان الأولى. فغاية الصيام وتهذيب النفس هي أن نرى الآخرين بعين أنفسنا.
​إنَّ في قوله تعالى: “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” أبعادًا واسعة، تشمل الدقة في فهم أعذار الناس وتقدير ظروفهم، وهذا ما يدركه أولئك الذين يصومون بخشوع وبصيرة نافذة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى