الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا “من دبّرت ما جاعت”

عمر عبد الرحمن نمر

أمهاتنا – رحم الله – من توفي منهن، وأدام الصحة والعافية على الأحياء… أمهاتنا كتبن قاموس الحياة الفلسطينية… قاموساً مفرداته: الجدّ، والعمل، والتدبير، والتضحية، والإيثار… رأيي أقوله في أعالي الجبال الشمّاء، أمهاتنا هنّ الرائدات الأوائل، وهنّ الرياديات الأوائل… كتبن بالبنط العريض المقدمة الأولى والأساسية، في العمل، وترجمن برامجهن إلى سياسات في الاقتصاد المنزلي… فالحاكورة جنّة البيت، فيها ما تشتهي من خضار – حسب موسمها – وفيها الفواكه حسب موسمها أيضاً، والسهول مزروعة بالحبوب، وعلى رأسها قمح الخير… وفي الجبال أشجار منوعة وعلى رأسها زيتون الخير… في الدار مانوحة الحليب… ومن حليبها يتوفر اللبن والجبن… ودباسي البحتة… وفي قاع الدار لكل دجاجة اسمها: فهناك الرقشة، وهناك الزلطة، وهناك المنفوشة… و… و… ناهيك عن أخمام الحمام… وجحور الأرانب… و… و… أمهاتنا نظمن المثل ” من دبّرت ما جاعت، ومن رقّعت ما عريت”… عِشْن في بيوت بسيطة، وتعوّدن المحبة والود والكرم…

أمهاتنا كنّ يعملن برّا- جوّا…

أم حسن، اشتغلت كل شغل الدار، خبزت، وكنست، وغسلت، وجهزت طبختها… ثم تناولت فأسها، ومقصاً للشجر وسرحت إلى خلة ” أم القنديل”… بحشت محلاً لحجارة وسنسلت، وقصقصت زغب الزيتون، ونقبت فروعاً منه… في الظهيرة لحقها ابنها حسن، بعد أن أنهى مدرسته، وحمل إليها رغيفاً طابونياً مدهوناً بالزيت ومرشوشاً بالملح، وبصلة، وقنينة ماء… رحّبت به… وجلست على الأرض قرب غرسة زيتون، تلقّط الزعتر من حولها، وتأكله بالخبز المدهون مع البصل… وتحكي له قصة غرسة الزيتون، كيف زرعتها، وتركتها في أرضها سنتين، ولما لم تنجح، نقلتها إلى هنا… وتعهدتها بالري سنتين، حتى علّقت، ودقّت شروشها بالأرض…

عندما أذّن لصلاة العصر، كانت أم حسن قد جهّزت حزمة كبيرة من الحطب، وذلك لنار الموقدة، “خورصتها” بنبات الرباط، وصنعت من الرباط “مدورة” وضعتها على رأسها، وطلبت من حسن أن يساعدها في رفعها على رأسها… ياه! جبّارة أم حسن فعلاً… ختام عملها في الأرض، حزمة حطب على رأسها… ساعدها حسن في رفع الحزمة على راسها… ومشت أمامه…

رأى حسن أمه تحمل الليل والنهار… تحمل التعب والشقاء، تحسس ألمها وتعبها… فصاح: أمي، ارمي الحزمة… ارميها، أنا سأدبرها… سألته: كيف أرميها يا بنيّي؟ قال: ارميها، وروّحي… اسبقيني إلى البيت… وانطلق إلى حقل جارهم في الأرض وطلب من (أبو خالد) أن يحمّل حزمة الحطب في ترلة تراكتوره، ويأتي بها إلى البيت، وسيدفع له أجرته… قال أبو خالد: على راسي… بحملها… بس لا تخربها مرة ثانية؟ اندهش حسن، شو بتقصد عمي؟ ابتسم أبو خالد، وقال: نحن نخدم الغانمين بعيوننا… وخدمتهم هي أجرتنا… شكره حسن ومضى عائداً إلى البيت…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + 20 =

إغلاق