
نحكي اليوم عن حكايات من الطين والعرق والتعاون، حيث كانت الحياة أبسط، لكنها مليئة بالمحبة والروح الجماعية.
زمان كانت صبّة الباطون قصة بحد ذاتها. من طلوع الشمس تبدأ الصبة مع معونة أهل البلد والأقارب والجيران، يجهزوا للشغل ويتقسم العمل على الشباب. وقتها ما كان في مضخات أو آليات حديثة مثل اليوم.
فكان الشغل كله تقريباً على الأكتاف والجهد.
ومع التعب والعرق، كانت الضحكات والجلسات الحلوة ما تفارقهم.
وبعد ما ينتهوا من عملهم يشعرون بسعادة وفخر، والنساء تقف حولالمواقد لتحضير الطعام، وتُزيَّن العمدان بالزهور وتنطلق الأهازيج والمهاهاة، ويُحضر الغداء للشباب.
قبل أيام قليلة سمعتُ عن صبّة من نوع آخر، وهي صبّة جبلة الطين وتسمى “العونة“.
في الماضي، كانت أسطح البيوت تُبنى من الطين والقش والجذوعالخشبية، ومع قدوم فصل الشتاء كان الطين يتشقق ويحتاج إلى رصّوضغط حتى لا تتسرب مياه الأمطار إلى داخل البيوت.
ولأن هذه العملية كانت تتطلب جهداً كبيرًا، كان صاحب البيت يستعين بأقاربه وجيرانه، فيما يُعرف ب“العونة“، وهي التعاون بين أهل القرية.
وكان الأهالي يجتمعون فوق السطح ويصطفون جنبًا إلى جنب، ويبدؤون برصّ الطين بأرجلهم بخطوات قوية ومنتظمة حتى يتماسك ويشتد.
ولتخفيف مشقّة العمل وبث الحماس، كان أحدهم يغني أو يعزف على اليرغول أو المجوز، فتتحول الخطوات إلى إيقاع منتظم. ومع تكرار هذا المشهد الجماعي، يرى البعض أن هذه الحركات كانت من البدايات التي تطورت لاحقًا إلى رقصة الدبكة.
واليوم في الأفراح، ما زلنا نستمتع بإيقاع الدبكة وصوت اليرغول، لأنها تذكرنا بأيام سمعنا قصصها من أجدادنا، أيام كان فيها العمل جماعيًا، والفرح بسيطًا، والناس أقرب إلى بعضهم البعض.
وهكذا تبقى الدبكة ليست مجرد رقصة، بل تراث حيّ يربطنا بجذورنا
ويحكي قصة تعاون الأجداد وحبّهم للأرض والحياة.
وحكايات أُخرى عن رقصة الدبكة تعود لأصول كنعانية، حضارات سكنت ساحل وجبال بلاد الشام كالفينيقيين والكنعانيين.
وحركات الرقصة بالرجلين تضرب الأرض بقوة، احتفالاً وطلبًا للمطر بمعنى “استغاثة“ من نوع آخر تكريمًا للأرض.
ولم تكن حركات الدبكة مجرد قفز عشوائي، بل حملت دائمًا رموزاً تعبر عن ثقافة المنطقة.
فتشابك الأيدي والكتف بالكتف يرمز إلى التلاحم والوحدة، والضرب على الأرض بقوة يعكس التمسك بالتراب، والأرض.
وقائد الدبكة (اللويح أوالروّيس): هو الذي يقود الخط وضبط الإيقاعممسكاً بيده مسبحة أو منديلاً.
وتطورت الدبكة مع الزمن من أسطح البيوت الطينيّة إلى الساحات العامة في الأعراس والمهرجانات، وأصبحت رمزاً للهوية الوطنية والتراث الشامي الأصيل، وتفرعت إلى أنواع عديدة
مثل: (الدلعونا والشعراوية والظريف)



