عندما تشتد الأزمات تتجلى حقيقة الايمان “
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

تُعتبر الأزمات والأوقات الصعبة اختبارًا حقيقيًا للإنسانية ومعيارًا دقيقًا لقياس عمق الإيمان وحقيقة الأخلاق ففي خضم المحن والكروب يظهر معدن الإنسان وتتجلى فيه القيم التي يتبناها بوضوح لا تخطئه النفس ومن بين هذه القيم السامية تبرز قيمة العطاء والرحمة والتلاحم الاجتماعي كركيزتين أساسيتين تسهمان في بناء مجتمع قوي ومتكاتف، قادر على مواجهة التحديات وتجاوز المِحن ؛
الرحمة ليست مجرد إحساس عابر أو شعور مؤقت يتأجج في لحظة ضعف ثم يخمد بل هي فطرة نُسجت في أعماق النفس الإنسانية ترتقي بها وتُزينها وهي تجلٍّ من تجليات التراحم الذي أوصى به الدين وأقرته الفطرة السليمة حيث قال النبي الأعظم “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” فالرحمة تبدأ من تفهم معاناة الآخرين والوقوف بجانبهم في أوقات حاجتهم وهي تعني أكثر من مجرد تقديم المساعدة المادية بل تشمل الكلمة الطيبة والاحتواء والدعم النفسي ؛
أما التلاحم الاجتماعي فهو الملاذ الآمن الذي يحمي الأمم والمجتمعات من التفكك والضعف فحين تتجسد مبادئ التعاون والتآخي بين الناس يتحقق نوع من التكامل الذي يجعل المجتمع أشبه بالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وهذا ما يدعونا إليه شعور المسؤولية تجاه بعضنا البعض أن نحمل همّ المحتاج وكأنما هو همنا الشخصي وأن نبحث عن سبل لدعمه سواء كان ذلك بالدعم المباشر أو عبر الجمعيات والمؤسسات التي تُعنى بإغاثة المحتاجين
الأوقات الصعبة دائمًا ما تكون اختبارًا للجميع وهنا يكمن جوهر الإيمان الحقيقي، إذ يُظهر الفرد مدى التزامه بالقيم الإنسانية والدينية معًا وبقدر ما تكون الظروف قاسية بقدر ما تكون هناك فرص عظيمة لإظهار التعاطف والرحمة فليس المطلوب فقط أن يكون الإنسان مصدر عطاء وقت الرخاء بل التحدي الأكبر أن يتمسك بعطاءه في الأزمات وشدة البلاء ؛
في ظل الأزمات والكوارث، كثيرًا ما يكون المتعففون هم أبرز من يعانون بصمت هؤلاء الذين يمنعهم حياؤهم واعتزازهم بكرامتهم من البوح بحاجتهم وبالتالي فإن المسؤولية تضاعف علينا هنا لنبحث عنهم بشتى الطرق ونتلمس معاناتهم قبل أن يضطروا هم للطلب ربما تكفي كلمة طيبة لتخفيف آلامهم أو تفتح لهم باب أمل جديد ؛ وبالعودة إلى قاعدة التراحم التي أرسى دعائمها الدين الحنيف؛ فإن رحمة الله تنزل على الذين يرحمون ضعف عباده ويقفون معهم في محنتهم فمن يخفف عن إنسان كربته، يكون قد اختار أن يكون يد الله التي تبعث الأمل وتبسط الخير بين الناس وهنا لا شيء أعظم من شعور الراحة النفسية والرضا الروحي الذي يشعر به الشخص وهو يرى أثر عطائه في تحسين حياة شخص آخر
لنتذكر دائمًا أن الأزمات ليست فقط امتحانًا للقدرة على التحمل والصبر لكنها أيضًا فرصة عظيمة لإظهار المعدن الإنساني الأصيل بكل ما يحمل من نور ورحمة فلنكن على قدر المسؤولية ولنمد جسور التراحم والتآزر في لحظات الشدة، عسى أن نكون سببًا في إدخال السرور إلى قلب أحدهم وأن نكون ممن يستحقون رحمة رب العالمين ورضاه .

