منوعات

وفاة لمياء حكيم… عندما تتحدى “بنت القمر” الشمس في تونس

في مدينة المروج التابعة لمحافظة بن عروس في شمالي تونس، تعيش لمياء متحدّية مرضها ونظرة الناس إليها. هي أصرّت على عدم الانعزال، وانخرطت في الحياة العامة.
عندما كانت لا تزال طفلة صغيرة، لم تفهم لمياء سبب عدم قدرتها على الخروج من المنزل عندما تشاء في ساعات النهار ومثلما تشاء، ولا معنى أنّها من أطفال القمر أو “القمريين” وأنّ الشمس بالتالي خطرة جداً على صحّتها. في ذلك الزمن، كان جلّ أمنياتها الذهاب إلى مدينة الملاهي أو السباحة في البحر تحت أشعّة الشمسمثل بقيّة الأطفال.

“مختلفة عن الآخرين”، هذا ما أدركته في ذلك الحين. هي لمياء حكيم (27 عاماً) وقد كُتِب عليها أن تتعايش مع مرضها الذي تُطلَق عليه كذلك تسمية جفاف الجلد المصطبغ، والذي حرمها من عيش حياة عادية كبقيّة الناس فتفعل ما يحلو لها في خلال النهار، وبالتالي كان الليل رفيقها الدائم. ولمياء التي تخطّت متوسّط العمر الذي يُقدَّر لأطفال القمر عادة، والذي يتراوح ما بين 12 عاماً و20، تبدو فخورة جداً باحتفالها بعيد ميلادها السابع والعشرين، على الرغم من كلّ الصعوبات التي واجهتها وما زالت على مرّ تلك الأعوام. يُذكر أنّها ملزمة دائماً عند اضطرارها إلى الخروج نهاراً، بارتداء ملابس خاصة تغطّيها كلّها وتحمي وجهها وجسدها من أشعّة الشمس، حتى لا تُصاب بالسرطان.

ولمياء، كما سواها من أطفال القمر، وهم قلّة قليلة، وُلدت بصحّة جيّدة من دون أيّ أعراض تشير إلى المرض الذي راح يظهر شيئاً فشيئاً بمجرّد التعرّض للضوء. تقول الشابة: “لم أكن أعي أنّني مريضة، بل أعلم فقط أنّني مختلفة وأعيش في عالم منفصل عن عالم الآخرين. هؤلاء يعيشون في عالم خارجي بطريقة عادية لا أدرك تفاصيلها، أمّا أنا ففي غرفة مغلقة أو مع غطاء للرأس والجسم ونظّارات تحجب عنّي الشمس مثلما تحجبني عن الناس”. تضيف أنّ “عالمي ليليّ، وبصعوبة تقبّلت حرماني من حرّيتي حتى أحافظ على حياتي”.

زيّها هذا أخاف أقرانها عندما كانت صغيرة (العربي الجديد)

وتتحدّث لمياء عن السخرية التي اضطرّت إلى مواجهتها وتحمّلها مذ كانت طفلة، موضحة أنّ “أحداً من أبناء جيلي لم ينظر إليّ كطفلة عاديّة مثلهم. فالزيّ الخاص الذي أُجبِرت على تحمّله كان يخيفهم، لكنّني ما زلت أواجه به المجتمع وسخريته”. تضيف: “لطالما تحمّلت شتائم الناس ونعتهم لي بخبزة الشعير، في إشارة إلى تلك البقع السوداء الداكنة التي يخلّفها المرض على وجهي. أمّا آخرون يدعونني رائد فضاء أو مربّي نحل، في إشارة إلى الزيّ الذي أرتديه، فيما بعض الأشخاص يطلقون تعليقات سلبية في الشارع مستهجنين النقاب (بحسب ما يظنّون) مع السروال”.

ليس من السهل أن يعايش المرء حالة مرضيّة تعزله بشكل أو بآخر عن العالم، وتترافق مع تنمُّر. لكنّ لمياء تؤكّد أنّها تجاوزت الأمر، بفضل إحاطة عائلتها التي دعمتها، لا سيّما في كلّ مراحل دراستها. وتؤكّد: “لا يمكنني أن أنسى كيف كانت والدتي ترافقني يومياً، ذهاباً وإياباً، إلى المدرسة حتى المرحلة الإعدادية، لتحميني من نظرات المارة وسخريتهم. كذلك لا أنسى كلمات والدي حين كنت أوصف بنعوت ونعوت، فهو كان يقول لي: من الأفضل أن ينظر إليك الناس ويضحكوا بدلاً من أن يبكوا”. وتتابع لمياء: “هكذا، تعلّمت منه أن أرى الجانب الإيجابي لأيّ موقف ساخر قد أتعرّض له، غير أنّني لا أخفي كم آلمتني سخرية الناس”، مشيرة إلى “لحظات قوة كانت حافزاً لي لمواصلة حياتي”.

تصرّ على الابتسام رغم كلّ شيء (العربي الجديد)

في خلال المراهقة، راحت لمياء تطرح جملة من الأسئلة حول مرضها وطبيعته، وهذا ما دفعها بحسب ما تقوله إلى “الاهتمام بقراءة الكتب العلمية، ثمّ تخصّصت في علم الوراثة بعد نيلي شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) في جامعة تونس”. وهي تستعدّ اليوم لرسالة دكتوره في المجال نفسه، “لعلّني أتمكّن من مساعدات سواي على تجاوز مرضهم”. ولم تنجح لمياء فقط في الدراسة، بل اختارت كذلك الانخراط في الحياة العامة لتثبت أنّها لا تقلّ قدرة عن أيّ شخص آخر معافى. وتخبر: “تردّدت قبل الترشّح للانتخابات البلدية في عام 2018، لكنّني قرّرت في النهاية الترشّح كمستقلة وفزت بدعم كبير من أهالي بلدتي لأصير مستشارة لبلدية المروج التابعة لمحافظة بن عروس. وأنا اليوم أؤدّي عملي البلدي أشارك في الاجتماعات بانتظام، فيما أواصل دراستي بالتوازي”.
وكانت لمياء قد شاركت في بطولة فيلم بعنوان “بنت القمرة” يسلّط الضوء على حياة أطفال القمر، وقد ظهرت كذلك في عدد من وسائل الإعلام المحلّية والعالمية. وقد ساهم ظهورها في الإعلام وحديثها عن مرضها النادر والتعريف به وبأطفال القمر، في تغيير نظرة المجتمع إليها. تقول: “بعد تعرّف كثيرين على قصّتي، خفّت السخرية ولم تعد الحال مثلما كانت في السابق”. واليوم، تفكّر لمياء في “إنشاء جمعية تعنى بكلّ المختلفين وليس فقط بأطفال القمر، لمساعدتهم على مواجهة المجتمع باختلافاتهم من خلال تقديم الإحاطة النفسية لهم والدعم المعنوي، ومحاولة تغيير واقعهم ولو بنسبة واحد في المائة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق