مقالات

لُغةُ العصر .. بقلم # رياض الصالح

تحاوره الكثير من الكلمات و تجادله ليرسمها كما يشاء .. فقد كان جديراً بالثقة .. و هي لا تعلم أن دماغه قد تحول إلى مجرد أرشيف قابع في إحدى أقبية وزارةٍ لم تعد ذات شأنٍ يُذكَر .. و تعاني من قلة المراجعين و المهتمين .. كل شيء قد تغير في عصور المُرّار .. و كل ما تجمع في الأقبية صار مجرد تاريخ خانق يستخدم لإثباتِ ما لا يلزم أحداً.. أنه كان في هذه البقعة حياةٌ زاخرةٌ ذات يوم ..

لم يعد يأبه حتى بالأحلام التي تراوده عن نفسه، فهي عند هجومها لا يراها إلا كمغتصب يسعى لتمزيق تلك الراحة الكسولة التي نسجتها سنوات صراعاتٍ ضائعة.. بخيوطها الواهنة .. ليس مهماً له أن يعيش أحلام اليقظة و لا أن يوقظ الأحلام أصلاً .. فما ترسب في ذهنه اليوم سوى الإيمان بما بين يديه من حقيقة منحوتة على هيئة تمثال يشير إلى الأرض و كأنه يُوٍجّه بوصلتَه إلى الواقع الذي يفرض نفسه بقوّة ..
لا تعلم الكلمات أن صدر صاحبنا الواسع قد تحول إلى ميدان عام لا يخلو من المظاهرات الثائرة الصادحة بكلمات تم اغتيالها منذ بداية الثورة على المعاني .. فما تبقى منها غير أصداء بالية لا تترك في أثيرها إلا ضجيجاً مزعجاً مكتظاً لا متسع لديه لجمهور جديد ..
ثم ماذا تحمل الكلمات في جعبتها المثالية .. سؤال يهتك ستر سكونه .. و إلى أي لغة تنتمي .. فصاحبنا يكره تعلُّم اللغات .. و لا يحسن إلا التركيز على لغة واحدة .. فهذا أدعى للحفاظ على الهوية التي ضاعت في زمن التخالط الذي عكَّر على كل لغة صفاءها المميز و قواعدها الضابطة ..
هل تقنعه لغة المال التي طغت و فاضت فأغرقت كل الجمال الذي كان يملؤ الضفاف الممتدة على ساحل العطاء الغزيز .. فمنذ أن تمردت الرغبة بالكماليات على القناعة.. تعملقت غريزة التملك .. حتى تعدّت على حدود غريزة البقاء .. فامتدت مملكة الإقطاع لتغزو القلوب و العقول و تلتهم كل رحيق الورود و لون البتلات و ذلك العبق الذي كان يفيض من جوانب أحاسيس الباقة الإنسانية .. فقد اختفى كل ذلك فجأة .. و عادت إلى الواجهة أساطير ملاحم جشع بشرية .. و حروب الظلم الأبدية .. و تفاهات صراعٍ وحشية .. من أجل قياصر وهمية .. و سعاداتٍ جدلية .. و خيالات وردية ..
و ماذا تجدي كلمات تفككت حروفها و تبعثرت .. ثم تشكلت عبر دهورٍ حبلى بالأحداث .. و تطورت في شرنقة البقاء للأصلح .. لتصاغ بشكل جديد .. ثم تلبس عصراً جديدا .. ليصبح لها ثمنٌ يُحسب .. بدلاً من قيمة معناها ..
تطالبه الآلام التي تتراقص في دماغه .. أن يعتمد الشكل الجديد للحروف .. أن يبدأ بالانتباه لانحناء كل حرفٍ و جماله .. لرقته و ميلانه .. لرقصته شبه العارية .. لإغراءاته التي تشعل الغرائز .. بدلاً من تلك الكلمات التي أصبحت ثقيلة على الصدر .. شاقة بقسوة تضحياتها .. و طول مسؤولياتها .. فلا تحدثه اليوم عن الحب كما في الكلمات .. بل تعلّمه كيفية إتقان الاشتهاء .. فالحب ثقيل و بخيل و مكلف .. أما الاشتهاء .. فربح سريع .. و وصول بلا تضحيات .. و وضوح بالملامح ..
فاعذريه أيتها الكلمات المُعَتَّقة .. حتى أنت قد صرتِ خاضعةً لقاعدة الثمن .. و هو لا يمتلك ثمن احتسائك .. سيكتفي بمشاهدة الجالسين على مائدةٍ فخمة مريحة .. يتشدقون ملء صراخهم بامتداحك .. و يتجرعونك ملء أفواههم .. ثم يتقيئونك خفية .. خشية وصولك لقلوبهم التي لم تستسغكِ يوماً .. فيصيبهم مرض القيمة المؤلم .. و يُفسِد عليهم سهرتهم تلك .. فعذراً أيتها الكلمات .. إذا ارتضى صاحبنا وأد الصوت .. و خنق الصدى .. ليحتفظ بالمعاني لنفسه في مرجَلِه .. و يشتعلَ وحيداً بهدوء ..

# بقلم
# رياض الصالح

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق