ثقافه وفكر حر

امبارح وأنا في سوق الجمعة .. بقلم : د. عائشة الخواجا الرازم

بعدما غادر الدهين علي المصري الذي دهن غرفة البويلر وخلاها زي الكريستال ، يعني ما نفسك إلا تجلس فيها مع قوارة ورد وتشرب قهوتك وبعدما غادر الموسرجي محمود البستنجي بعد أن ركب موتور أبو حصان مع كاتم ، وقويت المية وصارت فل أوبشن ، وصلح تغذية الخزانات من البير وأبدع بالشغل، لدرجة إني لما سقيت البستان عيديه للشجر ما تحملني كل البستان نص ساعة ، بعد ما كان ياخد ساعتين من وقتي .
بعدين رتبت وشطفت الساحات وجهزت كم من صينية معمول عشان نطلع نفطر يوم صيام الوقفة عند تجمع اولادي ميس وريم وزين ومحمد اللي اشترينالهم شقق أربعة في الرابية من إسكان نصار القيسي ، وإسكان أبو بنان الشامي ، والحمد لله كلما اجتمعنا عندهم نشعر بفخر وراحة بال وسعادة للسما لروعة تشطيب وتنفيذ هالشقق وإتقان البناء والتأسيس وقمة الخدمات في العمارتين ، يعني سبحان الله ما تقول إلا كل تاجر إسكان صابب دم ضميره وقلبه بإتقان العمار …ودائما من خلال هالتجربة بردد : عمار يا بلد !
وكأنه مستثمر الإسكان نصار القيسي حاطط كل مباديء حسن التنفيذ وكل مباديء تقوى الله من إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه …وكذلك مستثمر الإسكان الثاني أبو بنان المقابل لعمارة القيسي …فحدث يا رعاك الله ولا حرج …إتقان وإدامة وإسكان يصلح لكل زمان وإنسان من أي نوع .
يا للروعة …طنجرة ولقيت غطاها بالكرم والخشية من الله في البناء وما يدفعه الناس من دماء قلوبهم عند شراء شقة كمأوى وموئل بشري.
ناهيك بعد كل هذا الفرح والرضا وكل راحة البال والجيب والنفس ، طبعا والاستقرار فإن الصحة النفسية للساكن وأهله تصعد إلى فوق .
طبعا ..هذا لا يمكن أن يجعلك تتغاضى أو تتناسى الجيران الأحبة في العمارتين رعاهم الله وأسعدهم وحلاوة الجيرة ونبل الناس اللي ساكنين في هالعمارتين المتقابلتين …فأنت تشعر أنك تعيش في جو طوباوي إنساني أخلاقي اجتماعي راقي ، كل يؤثر جاره على نفسه ويستشيره ولا يعتدي على أي حق من حقوق جاره الساكن .
وكل يتلمس خاطر جاره وكأنهم من بطن واحد طالما هم جميعا في بطن عمارة واحدة ، عليهم جميعا ما عليهم جميعا !
مثلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر !
ومن هذا المنطلق وليستطعم أهل وجيران في الجوار ، فقد جهزت صواني المعمول وقلت لأبو حسين: عليهم …عليهم
لكن وقبل أذان المغرب بثلاث ساعات لإفطار يوم عرفة في الرابية المباركة أمس ولفخامة الإيجابية التي كانت تتملكني ، قلت في نفسي :
طالما يا نفس أنك تشعرين بسعادة غامرة وكل الأمور حولك ومن ورائك وأمامك تمام في تمام. فزيدي سعادتك وراحة بالك من الفرح بيتين ، اشتري لك مجموعة أشتال ريحان وروحي على سوق الجمعة تحت في راس العين ، فهو قريب من بيتك في عبدون، وبلاش اليوم تروحي على باقة في آخر الصويفية لشراء شوية أشتال ريحان والآن أزمة ، وراسمالها خمس دقائق روحة وخمسة رجعة ونص ساعة تنقاية رياحين وغيره ، وخذي معاك للحبايب في الرابية ما لذ وطاب من أشتال مفحفحة . وخلي هالحبايب في العمارتين يشمشموا الرياحين عن البلاكين . مهو برضه أجر وصدقة وكمان الجيران بيقدروا الخضرة والجمال والطبيعة وبحبوها
عن جد الجنة بدون ناس ما بتنداس …
خلال شرائي للرياحين وبجانب المشتل…عجبتني كندرة ماركة Next، فهجمت عليها هجوما كاسحا ، جلست على مقعد مهروم مخروم أقيس الكندرة ، وبرضه شعرت بسعادة تضاف إلى السعادة المتمكنة الكثيرة عندي زيادة عن اللزوم .
– قديش الكندرة ؟
– دينارين يا مدام
– خذ هالخمسة .
رجع لي البائع ثلاثة دنانير
قلت : خلص اعتبر حقها خمسة
قال وهو راكب على حجر كبير وينادي الكندرة دينارين بس وكل سنة وانتو سالمين …:
يا سلام ..معقول ؟
– خلص خمسه ..يعني خمسة .
– شكرا شكرا شكرا .وباس الخمس دنانير وحطها على جبينه…وهو يردد ،: الله يعوض عليكي …الله يفتحها بوجهك …الله …الله الخ .
شعرت ان النزول دائما لسوق الجمعة ، ولقائي مع خيرة الناس هؤلاء ضروري جدا ، أولا يسعد من يستحق الإسعاد وثانيا يضيف الجو الصادق على العاصمة كأنك في روما تتسوق من سوق روما الشعبي ، فألوان المظلات بحد ذاتها هي جمال بصري فائق ، وخدمات البلدية من نظافة ورعاية وتجميل ومحافظة على جودة المممرات اللائقة بالبشر ، ومنع التدخين خشية نشوب حرائق تأكل الأخضر واليابس في السوق الشعبي ! ولا كوم زبالة ولا روائح …يا للروعة …روما …ينعن أبو روما ! نظرت لبائع الذرة الساخنة مع الزبدة والليمون في الكاسة :
آخ …بس .. صايمه !
المهم …لم أكد ادفع ثمن الرياحين وأنا فرحانة وأشمشمها .وبائع الكندرة لا يتوقف عن الدعاء ..حتى قابلتني وجها لوجه تلك الصديقة الحبيبة التي فرق بيني وبينها غراب البين المادي، وكنت أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري …فاضطررت للشكوى ضدها عند مدعي عام عمان جهاد بك العبادي أيام ما كان الإدعاء العام في البلد !
واذكر أن رئيس الإدعاء العام كان حسن بك العبدللات ، ألا وهو الآن النائب العام .
أصلا كنت بشتري الرياحين وبسمع أخبار تهف الروح وتؤذي اسم النائب العام حسن بك العبدللات …وسمعت بعض الملاسنات بين نساء خلف أدركت بأنهن معلمات حين رحن يطلبن من الله أن ينتقم من حسن العبدللات . فهمست في سري :
يا حرام … كيف يودي الزمان ببعض النزهاء الأقوياء في أدعية النسوان …
كيف خطر في بالي حسن بك العبدللات في عين تلك اللحظة حينما نصرني قبل خمسة عشر عاما تقريبا وتذكرته خيرة القضاة وأنفعهم للناس وسمعة القضاء …
وأذكر أن حسن بك اعتذر عن قبول شكواي ؛ وأقنعني بتوكيل محام لتحصيل حقي من تلك الصديقة الحبيبة .
وقال لي : أسلوب كتابة الشيك والمعلومات فيه تظهر أنك كنت حذرة من الخيانة وعدم الوفاء . وواضح بأن الشيك لوحده لائحة !
قلت :
لا والله أخوي حسن بك ، هذا اسلوبي بكتابة جميع الشيكات لكل من يقصدني ويرجوني ويعتقد أنني أملك المال ، وأغلب من يقصدني من الأحبة ومن الأقارب ومن الأصدقاء ، فأجرد ما أستطيع من حبيبات رزق تأتيني من بيع لوحة أو نتاج معرض ثقافي طيب ، وبما إني لست مديونة لأحد إلا لله ، فأسهم بالرد أحيانأ بالمساعدة بقدر وسع يدي المبسوطة ، والتي لم أقبضها يوما في حياتي فلم تفرغ ولم تمتد لغير الله . فأنا أكتب على الشيك ( وذلك قرضة حسنة مستردة ) وأحيانا تعتمد العبارة على تعهد أجل التسديد للمستدين ، فأكتب تعهد المستدين ( وذلك قرضة حسنة مستردة في تاريخ كذا …) وأحيانا أكتب : ( وذلك قرضة الله الحسنة غير المستردة )
ولذلك يعود حقي منقوصا من البشر وأحتسبه عند الله في كل الحالات ..
وأحتسب النكران عند الله حسنى لنفسي .
حسن بك يعرفني ويكرمني ويحترمني ..وله عندي تقدير الكبار كما كان لصبر بك الرواشدة أيضا عندي تقدير الكبار في نفس المحكمة الذي دخل وحضر النقاش وقال : وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ….
نظر حسن بك في وجهي متأملا ، وهو يبتسم..ثم تطلع في وجه أخي وصديقي الغالي المدعي العام جهاد بك وقال :
جهاد بك أعطيني الشكوى …
انفرجت أسارير جهاد بك ، ونظر إلى الشيك في جلاسور الشكوى ، وسألني :
كيف قدرت تستدين منك خمسة آلاف دينار ؟
قلت :
هي ما قدرت .. ربنا سبحانه وتعالى يسر لها لحظة انفراج في نفس اليوم الذي مرغت شعرها بالتراب أمام مكتبي، وتتوسل قائلة : إن لم تساعديني اليوم فسوف أخسر شركتي وأخسر بيتي وأدخل السجن .
قال حسن بك العبدللات :
خلص بعدين هذي البيانات والإفادة .
وقع حسن بك قبول الشكوى واستلمها جهاد بك ..
الشيك مصروف بهوية الصديقة الحبيبة ، والشيك البديل بنفس توقيع الصديقة ، ويصرف بعد ستة أشهر من الدين .
وتيسرت أمورها وانحلت مشكلتها واستعادت سيارتها من الحجز التحفظي ، وعند موعد صرف الشيك الذي حررته لي للسداد ، كان الشيك عدم مطابقة التوقيع ، فكتبت الشيك الثاني ، فرجع الشيك لنقص في المعلومات ، وهنا … غضبت أنا … ولم أعد أقبل منها ورق اسمه شيك ..حيث أن ليس كل من يكتب شيك هو محترم وصادق ويوفي بالحق.

حضرت وتم توقيفها .. ثم أخرجتها بالكفالة ليس لتسددني ولكن لتستعيد وعيها وتتذكر المعروف والخير فما تفعله ليس من صالحها أبدا .
المهم استمرت بالمماطلة والشهادة الزور ؛ واستمرت بالعداء منذ عام2006 حتى اليوم والقضية ما زالت منظورة من بداية لصلح لتنفيذ ( استئناف ..مرض …عدم حضور .. ضياع ملف … قسم ..تمييز …قرار …تنفيذ … عدم العثور عليها …تسوية وتنازل عن الاتعاب والفوائد وقبول التقسيط .. )
ولم يتم البت لغيابها الدائم …

وجها لوجه مع صديقتي الحبيبة …
ياه …ما الذي تغير فيك يا صديقتي وأنت تخاتلين وتكذبين ..وتزورين الحقائق ؟ وتتعبينني عينك عينك …؟
يا لهول ما أرى أمامي !
كتلة سيدة تكاد تترنح على عصا ثقيلة وتمسك بحذاء قياسه لا يشبه قياس حذائي وهي التي كانت لا تضع قدميها إلا بحذاء قياسه ستة وثلاثين إلى سبعة وثلاثين .
كانت صديقتي أنيقة …جميلة … فراشة …تعمل في مكتبها ليل نهار …وحينما وقعت بقروض لجأت لمن لا تملك سوى دمعة اليقين بحق الصداقة واللوعة وتصريف الكرب عن السائلين !
وجها …لوجه ..
لهثت وهي تقابلني ..
وضعت كيس حذائي جانبا … سلمت عليها ..اقتربت مني أكثر …عرفت حاجتها…ضحكت ..!
ديري بالك …كورونا .. كيفك? وين أيامك ؟
قالت وهي تكاد تذرف الكثير ويتغير لون وجهها من أصفر إلى أزرق …فيصبح الطريق أمامي أخضر !
قلت لها : تعالي …معك سيارة ؟
اقترب شاب وقال : آ معاها …أنا السائق !
نفضت رأسي : سائق …ونلتقي نحن الاثنتان على شراء حذاء من سوق الجمعة … هي معها سائق وأنا أسوق ؟
قالت : أنا خايفة
قلت وأنا أتطلع لريحاناتي :
شوفي … أقسم بالله العظيم إنك في أمان … والفلوس والتسويات وكله راح بطريقه بس شفتك !
وبعد العيد … أزورك… ويحضر معي وكيلي ويا دار ما دخلك شر …عادي …حبيبتي … إنت غلبتيني صح …بس إن شاء الله ربنا يفرجها علينا كلنا .
تنشغت كانها طفل صغير .
قلت : الله يلعن أبو المصاري …شوفي الريحانات ما أحلى ريحتهم .
قالت : طول عمرك بتحبي الريحان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + 13 =

إغلاق