
قراءة نقدية في كتاب فن اللامبالاة لـ مارك مانسون
في زمنٍ تحاصرنا فيه عناوين التحفيز ووعود “السعادة السريعة”، جاء كتاب فن اللامبالاة ليقلب الطاولة على أدبيات التنمية البشرية التقليدية. عنوان صادم، ولغة مباشرة، ورسالة تبدو للوهلة الأولى تمرّدًا على ثقافة “فكّر بإيجابية دائمًا”. لكن هل هو فعلًا انقلاب فكري؟ أم إعادة تسويق لفكرة قديمة بروح عصرية؟
ضد الإيجابية المفرطة
مانسون ينطلق من نقد واضح لخطاب التنمية الذاتية الذي يعد الأفراد بأنهم قادرون على كل شيء، ويعتبر أن هذا الوهم هو ما يصنع الإحباط. فالسعي المحموم وراء السعادة، في رأيه، يجعل الإنسان أكثر تعاسة. الحل ليس في ملاحقة الشعور الجيد، بل في قبول الألم بوصفه جزءًا من المعادلة الإنسانية.
هذه النقطة تحديدًا تمنح الكتاب جاذبيته. الاعتراف بأن الحياة صعبة، وأن الفشل متوقع، يحرّر القارئ من ضغط المثالية. هنا يستعيد مانسون روح الفلسفة الرواقية، وإن دون أن يسميها دائمًا، حين يربط المعنى بتحمّل المسؤولية واختيار القيم.
بين المسؤولية الفردية والواقع المعقّد
غير أن الطرح، رغم جاذبيته، يظل حبيس منظور فرداني واضح. فالكتاب يحمّل الفرد مسؤولية اختياراته بشكل شبه مطلق، وكأن السياقات الاجتماعية والاقتصادية مجرد تفاصيل هامشية. في عالم تتداخل فيه العوامل البنيوية مع المصير الشخصي، تبدو هذه النظرة قاصرة عن تفسير تعقيد التجربة الإنسانية.
كما أن العمق الفلسفي يظل محدودًا. الأفكار مستلهمة من مدارس فكرية أقدم، لكنها مبسّطة إلى حد التسويق. وهذا ليس عيبًا بالضرورة، لكنه يضع الكتاب في خانة “المدخل الشعبي” لا “المرجع الفكري”.
قوة الأسلوب… أكثر من قوة النظرية
النجاح العالمي للكتاب لا يعود إلى جدة أطروحته بقدر ما يعود إلى أسلوبه. لغة صريحة، أمثلة شخصية، وجرأة في التعبير تجعله قريبًا من القارئ المعاصر، خصوصًا جيل يعيش ضغط المقارنات الرقمية ويبحث عن معنى خارج سباق الإعجابات.
في المحصلة، لا يقدّم فن اللامبالاة فلسفة جديدة بقدر ما يعيد تذكيرنا بحقيقة قديمة:
لسنا مطالبين بالاهتمام بكل شيء، ولا قادرين على ذلك. اختيار ما يستحق القلق هو في حد ذاته فعل وعي.
إنه كتاب ينجح في مخاطبة قلق العصر، حتى وإن لم يتجاوز حدود الخطاب التحفيزي الذي ينتقده. وبين التسويق والفكر، تبقى قيمته في قدرته على إثارة السؤال:
ما الذي يستحق فعلًا أن نمنحه اهتمامنا في حياة قصيرة ومزدحمة؟

