مقالات

أوراق من تاريخ النضال الوطني لقوى المعارضة البحرينية في الخارج (1 من 4)

كتب الاعلامي هاني الريس

شعب كهذا لا يهزم” العالم ينتصر لشعب البحرين في 1997 .. والحكومة تساقطت عنها أوراق التين في أكبر محفل دولي لحقوق الانسان .

لاول مرة منذ انظمامها عضوا في الامم المتحدة في 21 أيلول/ سبتمبر 1971 تقف الحكومة البحرينية صاغرة خانعة أمام القرار الدولي الشجاع الذي اصدرته اللجنة الفرعية لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة في جنيف في دورتها الخمسين في 21 آب/ أغسطس 1997 بشأن الاوضاع الحقوقية في  أثار المشاعر الوطنية والدولية، ولاول مرة ينتصر الحقوقيين البحرينيين ومعهم أخوانهم العرب وأصدقائهم حول العالم، في معاركهم الشرسة من أجل الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان في أكبر محفل أممي وظفته الامم المتحدة لتعزيز وحماية حقوق الانسان في جميع انحاء العالم، في نفس الوقت الذي استشعرت فيه حكومة البحرين ومعها حكومات مجلس التعاون الخليجي وعدد من الحكومات الاستبدادية مثل الصين وكوبا بالاحراج الشديد وبخيبة الأمل ومرارة “المذلة” التي لحقت بمشروع تضامنهم ضد قضايا شعب البحرين، التي عصت إرادة الحرية والديمقراطية لديه على مشاريع السلطة الاستبدادية القمعية .

قرار دولي لم يوفر حتى كابح ضعيف للحكومة البحرينية :

وأخيرا بعد سلسلة طويلة من المعارك الشرسة بين السلطة البحرينية والحقوقيين البحرينيين، التي دارت رحاها في مؤتمرات الامم المتحدة ذات الصلة بحقوق الانسان في جنيف، حصل الشعب البحريني على أول قرار دولي يدين الانتهاكات السافرة لحقوق الانسان في البحرين، ويمكن تهنئته على صموده واستبساله في هذا الميدان .

ففي مشهد غير مسبوق، احتدم النقاش العام في اجتماع خبراء اللجنة الفرعية لحقوق الانسان التابعة للامم المتحدة في جنيف، حول نص مشروع القرار الذي صاغته الخبيرة البريطانية المتعاطفة مع قضايا شعب البحرين، السيدة كلير باليه، بخصوص الوضع الحقوقي المتدهور في البحرين، والذي حمل في بداية عرضه على خبراء اللجنة ال 26 خبيرا، تسعة تواقيع مؤيدة لنص المشروع، وذلك قبل أن يثار حوله الكثير من الجدل وتحول مواقف البعض من مؤيدين إلى معارضين، بعد أن وعدتهم السلطة بتحسين سجلها في مجال حقوق الانسان والتحول نحو حكم مفتوح في المستقبل، وقدمت لهم العطايا والاموال الطائلة في سبيل العمل عل افشال هذا المشروع.

وكان من بين ابرز المتحولين الخبيرة المغربية، حليمة الورزازي، التي قبلت برشوه سخية من حكومة البحرين، بلغت قيمتها الاجمالية 150 الف دولار اميركي، ووصفت حينها بعبارة ” تبرع ” لصندوق الطفولة المغربي التي ترأسه، وكذلك الخبيرة الكاميرونية لوسي غوانسيما، التي تسلمت مكافأة مالية مجزية، والخبير اللبناني عثمان الحاج، الذي تحدث لصالح الحكومة البحرينية وهاجم الحقوقيين البحرينيين والمعارضة، بالاضافة إلى الخبير الصيني والخبير الكوبي، اللذان كانت لهما قناعة مشتركة للوقوف إلى جانب الحكومة تحت ذريعة تصديها للارهاب والارهابيين، ولم يخلوا الامر من تأييد خبراء آخرين في اللجنة من مصر واثيوبيا لموقف الحكومة ومعارضتهم لمشروع القرار الدولي، وفي المقابل تدخل لصالح هذا المشروع ومبرراته الخبيرة البريطانية كلير باليه، والخبير النرويجي نوسترام، والخبير الاميركي بو زوارث، والخبير الفرنسي القاضي لويز جوانيه، وذلك بعيدا عن رغبات حكومات بلدانهم، وربما بفضل دعمهم ومساندتهم لقضايا الحرية في البحرين، نجحت المعارضة البحرينية في انتزاع القرار الاممي الشجاع الذي عرى سياسات الحكومة البحرينية واسقط عنها أوراق التين فيما يتعلق بخروقاتها البشعة للحريات الديمقراطية وحقوق الانسان .

كيف صدر القرار الدولي الشجاع؟ 

لاول مرة يتخد واحدا من أهم أجهزة الأمم المتحدة قرارا واضحا وصريحا بإدانة القمع والتمييز والقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي، ويعبر عن القلق العميق للانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان في البحرين، ويطالب الحكومة البحرينية بوضع حد لجميع هذه الانتهاكات، وينوه إلى غياب الحريات العامة وحل المجلس الوطني المنتخب في العام 1975 بقرار بمرسوم أميري وغياب أية مؤسسة ديمقراطية وحقوقية مستقلة في البحرين، وفي بداية اعمال الجلسة الصباحية الساخنة للجنة، التي تراسها  الخبير التشيكي، أدلى الكثير من الخبراء بارائهم المؤيدة منها والمعارضة لمشروع القرار الدولي، وقبل ان يجري التصويت المباشر والحاسم على القرار، تقدمت الخبيرة المغربية المرتشية حليمة الورزازي، باقتراح مخالف للقواعد المتبعة في مناقشات اللجنة، بأن يجري التصويت بشكل سري، في محاولة بدت انها تهدف لعدم معرفة الاشخاص المعترضين على التصويت، وهي تعتبر سابقة نادرة في جلسات اللجنة التي تكون دائما علنية.

وبعد موافقة اغلبية ضئيلة على المقترح جرى التصويت بشكل سري من قبل الخبراء الحاضرين، فصوت 12 خبيرا لصالح القرار، فيما صوت 11 خبيرا ضده، وامتنع 4 خبراء عن التصويت، وتغيب عن التصويت متعمدا الخبير الهندي، الذي غادر قاعة الاجتماع بشكل خاطف تجنبا لاية شبهة قد تكون في غير صالحة ويحاسب عليها، وبحسب نظام الجلسات المتبعة للجنة، فقد اتيحت لوفد الحكومة البحرينية الذي كان يرأسه سفير البحرين في الامم المتحدة بجنيف، أحمد مهدي الحداد، فرصة الرد على القرار، وبالفعل تدخل السفير للرد وتحدث من خلال جمل غامضة ومصاغة بشكل محكم، عن خيبة أمله من صدور القرار، وادعى بأن جميع التقارير والكلمات والمداخلات التي القاها ممثلوا المنظمات الحقوقية في جلسات النقاش، هي ليست أكثر من مزاعم مغلوطة وعارية عن الحقيقة والصحة بشأن الاوضاع الحقوقية في البحرين، واتهم المعارضة البحرينية بانها تعمل جاهدة على تغيير النظام القائم باستخدام وسائل القوة والعنف، ووصف المدافعون عن حقوق الانسان في البحرين، بأنهم ” مجموعات ارهابية ” لاتمثل شعب البحرين، وكان من نتيجة ذلك أن حدثت هناك أعمال تخريب في المنشأت الخاضعة للدولة وفي العديد من المرافق الحيوية وفي الاماكن العامة، في نفس الوقت الذي إمتدح فيه انجازات وخطوات الحكومة في قضايا الاصلاح والمشاركة الشعبية في تسيير امور البلاد من خلال مجلس الشورى ” المعين ” والخطوات الطموحة بشأن التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتحسين أوضاع حقوق الانسان .

صحيح أن قرار الادانة الدولية ضد انتهاكات حقوق الانسان في البحرين، لايشكل شيئا قاطعا من الناحية العملية، ولا يستطيع اجبار  الحكومة البحرينية على تغيير سلوكها أو سياساتها القمعية، ولكنه من الناحية المعنوية يعتبر بمثابة وسيلة ضغط على الحكومة من أجل أن تتبنى المزيد من الاصلاحات الجدرية التي يطالب بها الشعب، وضرورة الاقلاع عن ممارسة الاضطهاد والعسف العام، والالتزام التام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان، التي وقعت عليها وتعهدت بتنفيدها على أرض الواقع .

ولو أخدنا قرار اللجنة الفرعية بعين الاعتبار لامكن لنا القول انه كان يمثل بالفعل خطوة جوهرية كبيرة نحو مواجهة الدكتاتورية البشعة المتمرسة والمتأصلة في سياسات النظام البحريني، ويفتح المجال بقدر الامكان لقائمة طموحة من الاصلاحات السياسية والاجتماعية الضرورية التي ناضل من أجلها شعب البحرين على امتداد عقود، وقدم خلالها تضحيات مهمة وكثيرة .

انفجار قاعة الجلسة بهتافات النصر وتهنئة الشعب:

بعد اصدار هذا القرار الدولي الشجاع الذي أثر بشكل كبير على معنويات وفد الحكومة البحرينية الممثل برئيس البعثة الدبلوماسية البحرينية في جنيف السفير، أحمد مهدي الحداد، وسعيد الفيحاني ( الذي اصبح بعد ذلك سفيرا للبحرين في جنيف ) وأحمد عراد الموظف في السفارة وموظفين أخرين، وكذلك سفراء منظومة دول التعاون الخليجي، ومن كان قد وقف في صفهم من السفراء العرب والاجانب، انفجرت قاعة الجلسة بهتافات وتهاليل وتباشير وفد المعارضة البحرينية ومندوبي المنظمات الحقوقية العربية والدولية المستقلة المناصرة لقضايا شعب البحرين، ووجد المدافعون عن حقوق الانسان البحرينيين، انفسهم يسبحون في أحضان العشرات من المناضلين الحقوقيين، الذين دعموا قضيتهم المطلبية المحقة.

وكان وفد المعارضة البحرينية ممثلا بالمنسق العام للجنة الدفاع عن حقوق الانسان في البحرين، المهندس عبدالنبي العكري، و ( أنا هاني الريس ) قبل مغادرتي لجنيف بأيام قلية من اتخاد هذا القرار، والدكتور منصور الجمري، وعبدالهادي الخواجة، وعبدالرضا أحمد أبو احسان، وحسن على المهندس، كممثلين عن المنظمة البحرينية لحقوق الانسان، ومباشرة بعد الخروج من قاعة الجلسة، التي شهدت حضورا مكثفا من جانب ممثلي الحكومات الرسمية، وممثلي المنظمات الاهلية غير الرسمية، عقد الدكتور منصور الجمري، مؤتمرا صحفيا شكر فيه جميع الذين ساهموا في اصدار هذا القرار ووقفوا إلى جانب قضايا شعب البحرين، وهنأ الشعب البحريني بحصوله على هذا الانتصار العظيم، في وقت تقف فيه السلطة البحرينية وحلفائها الخليجيين والعرب والدوليين في وجه طموحاته وتطلعاته لمستقبل مشرق ومزدهر بالحياة الديمقراطية الحرة والتنمية الاجتماعية وحقوق الانسان، ومما قاله في هذا الصدد:” اليوم .. انتصرت الحرية، واليوم هو يوم انتصار ارادة شعب البحرين على الظلم والاستبداد المطلق، وحيث تضامنت الشعوب معنا، وادان المجتمع الدولي برمته النظام الاستبدادي المطلق وانتصر للقضايا العادلة والمحقة لشعب البحرين ” .

وفي اليوم التالي، نظم اعضاء الوفد مع ممثلي المنظمات الحقوقية العربية والدولية التي ناصرت قضايا شعب البحرين، وفي مقدمتها الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان حفلا ساهرا في منزل المناضل العماني وصديق الشعب البحريني، أحمد سالم، المقيم في جنيف، ومن بعد ذلك تبرع عدد من الاصدقاء المناصرين في جنيف بحفل غذاء لاصدقاء شعب البحرين المتواجدين في جنيف، بينما الغت الحكومة البحرينية ” حفل الانتصار ” المزعوم التي كانت قد استعدت لاقامته في فندق انتركننتتال الراقي في وسط أحياء مدينة جنيف، على شرف الاشخاص الذين وقفوا إلى جانبها للحيلولة من دون اصدار هذا القرار، وذلك بدفع أموال طائلة لتكريمهم، ولكن ادارة الفندق طالبتها بدفع الفاتورة المستحقة عليها، لان الغاء الحجز جاء في وقت متاخر جدا عن موعده .

الحلقة القادمة .. مشروع قرار دولي 1988 للجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الاقليات، في البحرين وحول العالم .

هاني الريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 14 =

إغلاق