الرئيسيةمقالات

د. علي موسى الموسوي الأمين العام للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني المشرف العام لمؤسسة فرحة يتيم الدولية للعمل الخيري والإنساني

بقلم : الباحثة سمر السعداوي عضو في الاتحاد الدولي للغة العربية عضو في المعهد العالمي للتجديد العربي

الدكتور علي موسى الموسوي : من الحوار الديني إلى بناء جسور السلام الإنساني

في عالم تتزايد فيه النزاعات وتتسع فيه دوائر الاختلاف والمعاناة الإنسانية، تتجلى أهمية الشخصيات التي كرّست جهودها لنشر ثقافة السلام، وجعلت من الحوار والتسامح والتضامن الإنساني ركائز أساسية في رسالتها. وتتجلى قيمة هذه الجهود في المساهمة في بناء جسور التفاهم بين الأديان والثقافات، وتعزيز التقارب بين الشعوب، والوقوف إلى جانب الفئات الأكثر احتياجًا، ولا سيما الأيتام والفقراء والمحرومين. فصناعة السلام مسؤولية إنسانية تتطلب الإيمان بكرامة الإنسان، والعمل على ترسيخ قيم الرحمة والتكافل والاحترام المتبادل.

في هذا السياق، تبرز تجربة الدكتور علي موسى الموسوي، الأمين العام للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني، الذي ارتبط اسمه بلقب «صانع السلام»، لما تمثله رسالته من دعوة إلى التقريب بين وجهات النظر، وتجاوز الحواجز الدينية والثقافية، وتعزيز التعايش والاحترام المتبادل. ولا تنحصر أهمية هذه الرسالة في الحوار، بل تمتد إلى العمل الإنساني ومساعدة المحتاجين، بما يعكس ارتباط السلام بالاهتمام بظروف الإنسان المعيشية وصون كرامته.

وتتيح قراءة تجربة الدكتور الموسوي الوقوف عند ثلاثة مسارات مترابطة: الحوار الديني والإنساني، والإعلام، والعمل الإنساني. فالإعلام يسهم في نشر الوعي، والحوار يفتح آفاق التفاهم، فيما تترجم المبادرات الإنسانية قيم التضامن إلى ممارسات تستجيب لاحتياجات الناس. ومن هنا، تسعى هذه المقالة إلى إبراز أبعاد هذه التجربة ودلالاتها في ترسيخ ثقافة السلام، والتعريف بالدور الذي يمكن أن تؤديه الجهود الحوارية والإنسانية في مواجهة التعصب والانقسام والتخفيف من معاناة الفئات المحتاجة.

من الإعلام إلى الحوار

بدأ الدكتور علي الموسوي مسيرته الإعلامية في شبكة الإعلام العراقي عام 2004، حيث عمل في إعداد البرامج الدينية والثقافية وتقديمها، وتولى مسؤوليات في هذا المجال، وفقًا لما ورد في التقارير المنشورة عن مسيرته. وقد أتاح له العمل الإعلامي الاقتراب من قضايا المجتمع العراقي وما شهده من صراعات وتحديات تركت آثارها في حياة الناس وعلاقاتهم. واتجه إلى تقديم برامج تفتح المجال للنقاش في القضايا الدينية، ومن بينها برنامج «الشيعة بين السائل والمجيب»، الذي استضاف من خلاله شخصيات دينية وثقافية، في مسعى إلى إتاحة مساحة للأسئلة وتبادل وجهات النظر. وتكمن أهمية هذا النوع من البرامج، من حيث المبدأ، في أنه ينقل بعض القضايا الدينية من دائرة التصورات المتبادلة إلى مساحة السؤال المباشر؛ غير أن تقييم أثره الفعلي يظل مرتبطًا بمحتواه، وطبيعة الحوار الذي أتاحه، ومدى وصوله إلى جمهور متنوع.

ومن التجربة الإعلامية تتضح إحدى الركائز الأساسية في مسيرته، وهي الإيمان بأهمية التواصل المباشر في تعزيز التفاهم، والحد من التصورات النمطية والالتباس في الفهم بين الأفراد والجماعات. فحين يُمنح المختلف فرصة التعبير عن رأيه، ويُستمع إليه يصبح الحوار مدخلًا ممكنًا للتقارب، مع الحفاظ على حق كل طرف في معتقده وقناعاته. ولا يعني الحوار بالضرورة زوال الاختلاف أو الوصول إلى اتفاق كامل، بل قد تتمثل قيمته في فهم أسباب التباين، وتقليل التوتر الناتج عنه، وإيجاد قواعد مشتركة للتعامل معه. ومن هنا، فإن نجاح الحوار لا يقاس بمجرد انعقاد اللقاءات، وإنما كذلك بقدرته على ترسيخ الاحترام المتبادل وإتاحة نقاش مسؤول.

المجلس الدولي للحوار الديني والإنساني: توسيع دائرة الرسالة

امتدت هذه الرؤية إلى العمل المؤسسي من خلال المجلس الدولي للحوار الديني والإنساني، الذي يتولى الدكتور الموسوي أمانته العامة. ويعكس هذا الإطار انتقال الاهتمام من الحوار عبر وسائل الإعلام إلى السعي لتوسيع مجالات التواصل بين المرجعيات الدينية والثقافية، وتعزيز قيم التسامح والتعايش والاحترام المتبادل. ويمنح الإطار المؤسسي، من حيث المبدأ، فرصًا لتنظيم المبادرات واستمرارها وتوسيع المشاركة فيها؛ لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا عن كيفية تحويل المبادئ العامة إلى برامج واضحة، وآليات متابعة، وشراكات تتيح قياس ما يتحقق على أرض الواقع.

يُبرز هذا التوجه أهمية بناء العلاقات بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، إذ يحتاج ذلك إلى جهود متواصلة ومساحات تجمعهم حول القضايا الإنسانية المشتركة .

فاختلاف المعتقدات لا يلغي إمكانية التعاون في مواجهة الفقر والمعاناة، ولا يمنع الاتفاق على ضرورة صون كرامة الإنسان والحد من الكراهية والعنف. ويمكن للقضايا المشتركة، مثل حماية الفئات الهشة ومساعدة المحتاجين، أن تشكل أرضية عملية للتعاون، لأنها تنقل الاهتمام من نقاط الاختلاف إلى مسؤوليات إنسانية يتقاطع عندها الناس.

وقد تجسد هذا التوجه، وفقًا لما نشره المجلس، في فعالية نظمها في بغداد بمناسبة اليوم العالمي للسلام في سبتمبر 2026، تحت شعار «معًا نحو عالم أكثر سلامًا وتسامحًا». تقدم هذه الفعالية مثالًا على سعي المجلس إلى إبقاء قضية السلام حاضرة في المجال العام، وربطها بمسؤولية المؤسسات والأفراد في نشر ثقافة الحوار،حيث تتجلى أهميتها في ما تتيحه من فرص لتعزيز التواصل وتطوير المبادرات المشتركة، بما يسهم في نقل قيم السلام من مستوى الخطاب إلى مجال الممارسة، وترسيخ ثقافة الحوار والتعاون بين مختلف المكونات الدينية والثقافية .

التكريمات الدولية ودلالتها

تذكر التقارير المنشورة عن مسيرة الدكتور الموسوي عددًا من التكريماتوشهادات التقدير، من بينها شهادة «راعي الحوار» والوسام الذهبي من المنظمة العالمية لحوار الأديان والحضارات عام 2019، ودرع زايد الخير للعمل الإنساني عام 2021، والراية المحمدية البيضاء من مجلس علماء الرباط المحمدي في العراق. وتدل هذه التكريمات، في سياقها العام، على تقدير الجهات التي منحتها لما تنسبه إلى عمله من جهود في الحوار والعمل الإنساني. هذه التكريمات تكتسب دلالتها من ارتباطها بالجهود التي بذلها الدكتور الموسوي في مجالات الحوار الديني والعمل الإنساني، فيما تبرز أهمية المبادرات والأنشطة التي تجسد هذه الجهود على أرض الواقع، وتعكس امتداد رسالته .

كما تناولت مجلة «عرب أستراليا»، في تقرير منشور بتاريخ 23 فبراير 2024، لقاء السيد الموسوي مع قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس في المقر البابوي في روما الفاتيكان ويمنحه وسام التسامح الذي يُمنح لكبار الشخصيات في العالم، ويعد هذا الوسام تقديرا واهتماما للجهود التي قدمها الموسوي بقضايا الحوار على المستويات الدينيّة والثقافية والإنسانية .

هذه المحطات تعكس حضورًا لافتًا لرسالة الحوار في مسيرته، وتؤكد أهمية التواصل بين الشخصيات والمؤسسات ذات الخلفيات الدينية والثقافية المختلفة. أما لقب «صانع السلام»، الذي ارتبط بإسمه ناله تكريماً من الفاتيكان كونه من بين شخصيات عالمية حظيت بتقدير إنساني من قداسة البابا ، يحمل دلالة رمزية على طبيعة الرسالة التي يسعى إلى تقديمها. وهي رسالة تتجسد في أعماله ومبادراته الهادفة إلى بناء الثقة، وفتح قنوات للتفاهم، وتعزيز التقارب بين الأديان والثقافات، وترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي. وبذلك، لا يقتصر مفهوم صناعة السلام في تجربته على الألقاب والتكريمات، بل تؤكده الجهود التي يبذلها في مجالات الحوار الديني والعمل الإنساني، سعيًا إلى جعل السلام ممارسة فعلية وقيمة راسخة في حياة المجتمعات.

العمل الإنساني امتداد للحوار

لا يقتصر بناء السلام على التقريب بين الأفكار والمعتقدات؛ فهو يرتبط كذلك بالاستجابة لحاجات الإنسان، ولا سيما الفئات التي تعاني الفقر والحرمان والنزوح. ومن هذا المنطلق، تتجلى في مسيرة الدكتور الموسوي مبادرات ذات طابع إنساني، من بينها مؤسسة «فرحة يتيم الدولية»، التي تناولت تقارير منشورة نشاطها في مساعدة الأيتام والمحتاجين . يكشف الربط بين الحوار والعمل الإنساني عن تصور للسلام لا يفصل بين احترام الإنسان فكريًا أو دينيًا وبين الاهتمام بظروفه المعيشية، فصون الكرامة يتطلب الاعتراف بالحقوق من جهة، والاستجابة للحاجات الأساسية من جهة أخرى.

ووفقًا لمقال نُشر في «همسة سماء الثقافة» في أبريل 2026، ارتبطت المبادرات المذكورة بتقديم مساعدات في مدن عراقية، ثم بتوسيع نطاق العمل إلى مناطق في سوريا ولبنان، فضلًا عن الإشارة إلى مشروعات ومساعدات في بلدان إفريقية، منها سيراليون والكاميرون وغانا والسنغال وتنزانيا . هذه المبادرات تعكس امتداد العمل الإنساني الذي تتبناه المؤسسة، من خلال تقديم المساعدات للفئات المحتاجة وتوسيع نطاق الجهود لتشمل مناطق وبلدانًا متعددة.

تؤكد هذه الجهود أهمية العمل الميداني في إبراز قيم التضامن والتكافل وصون كرامة الإنسان، وترجمة المبادئ الإنسانية إلى مبادرات تستجيب لاحتياجات المجتمع. كما تجسد من حيث أهدافها المعلنة، جانبًا آخر من مفهوم السلام؛ إذ لا ينفصل التعايش عن التضامن، ولا تكتمل الدعوة إلى كرامة الإنسان من دون الاهتمام بمن يواجهون ظروفًا معيشية صعبة. فالحوار يهيئ الأرضية للتفاهم، بينما يمنح العمل الإنساني هذا التفاهم بُعدًا عمليًا يتصل بحياة الناس واحتياجاتهم ، كما أن الجمع بين المسارين يوسع فرص التعاون بين جهات تختلف في خلفياتها، لكنها تلتقي حول مساعدة المحتاجين، وترسيخ كرامة الإنسان، بما يجعل العمل الإنساني امتدادًا عمليًا لرسالة الحوار والسلام .

تجربة تجمع بين الفكر والمسؤولية

عند النظر إلى المسارات المختلفة في تجربة الدكتور علي موسى الموسوي، يتضح الترابط بين العمل الإعلامي والحوار الديني والنشاط الإنساني. فقد أتاح الإعلام مساحة لطرح الأسئلة وتبادل الآراء، وأسهم العمل المؤسسي في توسيع دائرة التواصل، فيما مثلت المبادرات الإنسانية مجالًا للاستجابة لبعض الاحتياجات الاجتماعية، وفقًا لما أوردته المصادر المنشورة. ويتيح هذا الترابط قراءة التجربة بوصفها مسارات متكاملة من حيث الهدف العام، مع اختلاف أدوات كل مسار: فالإعلام يخاطب الرأي العام، والمؤسسة تنظم التواصل، والعمل الإنساني يتعامل مباشرة مع بعض الاحتياجات.

تكشف هذه المسارات عن تجربة تسعى إلى الجمع بين الفكرة والممارسة؛ فالحوار لا يكتسب قيمته من انعقاده وحده، بل من قدرته على بناء الثقة وفتح قنوات للتعاون. كما تتجلى قيمة العمل الإنساني في المبادرات التي تنتقل من الأهداف المعلنة إلى الممارسة الفعلية، وتسهم في الاستجابة لاحتياجات الناس وتعزيز قيم التضامن والتكافل. ومن هنا، يمكن استخلاص معيارين لقراءة مثل هذه التجارب: مدى الاتساق بين الخطاب والممارسة، ومدى استمرارية المبادرات ووضوح أثرها. ويساعد اعتماد هذين المعيارين على تقديم قراءة متوازنة، تقدر الجهود والإنجازات الفعلية وتؤكد ضرورة استمرار المبادرات وتطويرها بما يعزز أثرها الإنساني والاجتماعي.

وفي هذا الإطار، تجسّد تجربة الدكتور الموسوي مثالًا على الدور الذي يمكن أن تؤديه الشخصيات والمؤسسات المهتمة بترسيخ ثقافة التسامح، ومد جسور التواصل بين الأديان والثقافات، وبناء علاقات قائمة على التفاهم والاحترام المتبادل. وتظل فاعلية هذا الدور مرهونة باستمرارية المبادرات، واتساع المشاركة فيها، وظهور آثارها في المجتمع.

ختامًا، تمثّل مسيرة الدكتور الموسوي تجربة تتيح التأمل في سبل تعزيز ثقافة السلام، ليس من خلال الدعوة إليه فحسب، بل عبر العمل على تقريب وجهات النظر، وتعزيز الثقة بين المكونات الدينية والثقافية، وإيجاد مساحات مشتركة للحوار والتعاون. ومن هذا المنطلق، تأتي قراءة تجربته بوصفها مدخلًا إلى فهم أوسع للعلاقة بين الحوار والمسؤولية الإنسانية، وإلى استكشاف الكيفية التي يمكن بها للفكر والممارسة أن يتكاملا في خدمة السلام، وجعله رسالة تتجاوز الحدود والانتماءات، وتنطلق من الإيمان بأن الاختلاف بين البشر لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع، بل فرصة للتعارف والتفاهم وبناء مستقبل أكثر إنسانية.

المصادر المنشورة:

1. «صانع السلام الدكتور علي موسى الموسوي الأمين العام للمجلس الدولي للحوار الديني والإنساني»، همسة سماء الثقافة، 30 ديسمبر 2024: https://hamsaat.co/archives/225453

2. «لنحيا بسلام ورسالتنا السلام مع الأرض والإنسان»، همسة سماء الثقافة، 19 سبتمبر 2026: https://hamsaat.co/archives/269564

3. «في زحمة فوضى عارمة تبقى الآمال خيّرة»، همسة سماء الثقافة، 18 أبريل 2026: https://hamsaat.co/archives/265801

4. تقرير مجلة «عرب أستراليا» عن لقاء الدكتور علي الموسوي بالبابا فرنسيس، 23 فبراير 2024. https://arabsaustralia.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى