
((( ليتني لم أقرأ فنجاني))
شيماء حسين/العراق
لم تكن حكايتها تبدأ من فنجان قهوة.
بل من يدٍ كانت ترتجف كلما اقتربت من الحقيقة.
سمر، امرأة في منتصف العمر، عاشت بين الظلال أكثر مما عاشت تحت الضوء. كل شيء فيها كان صامتًا، إلا عينيها. فقد كانتا تحملان كل أصوات الألم التي عجز لسانها عن قولها.
في مساء خريفي ممطر، جلست أمام نافذتها القديمة، تمسك فنجانها الأبيض المتشقق من الحافة. سكبت القهوة بنفسها هذه المرة، وقررت أن تقرأ فنجانها دون الحاجة إلى قارئة.
قالت لنفسها بصوت خافت، كأنما تخاطب سرًا قديمًا:
“ما عاد أحد يعرفني أكثر مني، وما عادت الأسرار تخيفني… لن تكذب الأرواح هذه المرة.”
قلبت الفنجان، وانتظرت طويلاً حتى تجمعت الرواسب في القاع، كأنها خريطة مجهولة.
ولما قلبته من جديد، شعرت بشيء كالسهم يخترق صدرها.
لم ترَ حروفًا، ولا طيرًا، ولا بابًا مفتوحًا لوعدٍ جديد.
رأت شيئًا يشبه شرايين دم… تتشعب في كل اتجاه، متشابكة، كأنها خريطة قلب تمزق، مرسومة في الطين الداكن.
شهقت.
كانت تعرف هذا الشكل.
إنه القلب ذاته الذي تراه في كوابيسها منذ خمسة عشر عامًا، ليلة موت أخيها.
تلك الليلة، حين عاد باسم، أخوها الأصغر، في عتمة منتصف الليل، وعلى قميصه الأبيض بقع حمراء لم تكن من النبيذ، كما ادعى.
قالت له، وعيناها تشتعلان ريبة:
“من أين هذا الدم يا باسم؟ لا تقل لي إنه جرح بسيط! هذه دماء الموتى!”
ضحك ضحكة باردة لم تصل إلى عينيه:
“لا تخافي يا سمر، إنه مجرد لون، ربما… ربما انعكاس لما ترينه أنتِ فقط. نامي، ولا تقلقي روحكِ بما ليس لكِ.”
لكنه لم يظهر في الصباح التالي.
قالوا: هرب. قالوا: قُتل. قالوا: اختفى في الحرب.
لكنها رأت قميصه ملقى خلف البيت، ممزقًا، وعليه نفس الشرايين المتفرعة من الدم، التي رأتها اليوم في فنجانها.
لماذا الآن؟ لماذا صمت الفنجان خمسة عشر عامًا ثم قرر أن يتكلم بلهجة الموت؟
رفعت الفنجان مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تعيد ترتيب الرواسب، أو تكذيب الرؤيا.
لكن الدم ظلّ يتكلم.
بدأت الصور تتداعى في رأسها بوضوح مُفزع، وكأن دخان القهوة يحمل أرواح الأسرار:
أبوها الذي كان يضرب باسم حتى ينزف من أنفه، وعيناه تحملان قسوة لا متناهية.
أمها التي كانت تغضّ البصر عن الألم، وكأن العمى هو باب النجاة الوحيد.
وأخوها الآخر الذي ما زال ينكر أنه رأى شيئًا في تلك الليلة، بوجهٍ خالٍ من التعبير كقناعٍ من حجر.
كل خيط في الفنجان يشير إلى وجه. وكل وجه له يد ملوثة.
فهمت أن أخاها لم يختف فقط… بل اختفى لأن أحدهم أراد له أن يختفي. والحبر هنا ليس قهوة، بل لعنة عائلة قديمة.
سقط الفنجان من يدها وتهشم على الأرض بضجيج يشبه إطلاق رصاصة.
وكأن النبوءة اكتملت.
بدأت سمر تبحث. لم تعد تهاب، ولم تعد تنتظر أن يُكذِّبها أحد. لقد نطق الفنجان، وعليها أن تكمل الرواية.
زارت أصدقاء قدامى، دخلت بيت العائلة المهجور، تحدثت مع جارة كانت تهمس دومًا عن “الليلة إياها”.
واحدة فقط تجرأت أن تقول لها، وعيناها تلمعان بالخوف والشفقة:
“يا سمر، كل الأسرار المدفونة تنتهي في مكان واحد… ابحثي في البئر، فماؤه جف ليخفي عارًا عظيمًا.”
في بيت العائلة، قرب التينة العجوز، كان هناك بئر مسدود بالإسمنت منذ سنين. قالوا إن الماء جفّ.
لكنها الآن تعرف أن هناك شيئًا آخر تحت الغطاء.
استأجرت عاملًا ليكسر السطح، مدعية أنها تود ترميم البيت. وحين أزال الغطاء… تصاعدت رائحة عمرها خمسة عشر عامًا، رائحة الدم والتراب والحقيقة المُرّة.
وُجد قميص.
وُجدت عظام.
ووجدت سمر الدليل على أن فنجانها لم يكن كاذبًا، بل كان لسان حال القدر.
التحقيقات بدأت. أخوها الأكبر تم استجوابه. الجار قال إنه رأى مشاجرة دامية بين الأخوين تلك الليلة.
الأب مات قبل سنوات، لكن ذكراه بقيت شاهدة على العنف الذي زرعه في أرواحهم.
كان القاتل أقرب الناس إليها. وكانت الحقيقة أقسى من أن تُقال بصوت عالٍ.
لكنها نطقتها،
في قاعة المحكمة،
وأمام الجميع،
وهي تحمل بقايا الفنجان المكسور كدليلٍ من عالم آخر:
“كل شيء بدأ من هنا… من تلك الرؤيا السوداء في الفنجان الأبيض. ولم أجد سوى شرايين من دم، تسقي شجرة العائلة… التي نبتت فوق قبر أخي.” بقلم شيماء حسين
العراق
———————
عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت




