براءة الطفولة ومأساة الواقع ; بين الحقوق المهدورة والتطبيق المنشود
د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

في البداية، بدا لنا الأمر صادماً حين رأينا الطفولة تتعرض للدمار بشكل ممنهج تحت رعاية وتحت أنظار الأنظمة الدولية التي ترفع شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية حقوق الأطفال. تلك الشعارات التي يتم الترويج لها على مستوى العالم تبدو في كثير من الحالات مجرد كلمات جوفاء لا تصمد أمام واقع مأساوي، إذ تُقصف المستشفيات والمدارس وتُهدم البيوت على رؤوس قاطنيها في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والسودان، حيث النساء والأطفال يدفعون أثمانًا باهظة بلا أي محاسبة أو مساءلة. الآلاف من الضحايا يسقطون، ومع ذلك لا نسمع حتى مجرد استنكار أو التعاطف العلني من الجهات التي دعمت تلك الشعارات طويلاً.
الأمر بات أكثر قسوة ووضوحاً مع المأساة الأخيرة في مدرسة الفتيات في العاصمة الإيرانية طهران، تلك الكارثة التي راحت ضحيتها حوالي 170 طفلة بريئة دون أي تحرك دولي يُذكر. الصمت كان رد فعل العالم تجاه أزمة تعكس تناقضًا صارخًا بين الكلمات المعلنة والأفعال على أرض الواقع. هنا يبرز السؤال الموجع: أين هي أصوات الأنظمة العالمية التي لطالما ادعت بأنها تعمل لنصرة الإنسان ؟ وأين الهيئات والمنظمات التي تُكرّس نفسها لحماية الطفولة ؟
حين طُرحت فضيحة جزيرة جيفري إبستين، التي كشفت عن أفعال مروعة تتضمن الاعتداء على الأطفال والاتجار بهم بشكل سري ومنهجي، بدأت الصورة الحقيقية تتضح أكثر. ذاك العالم الذي يدّعي احترام حقوق الإنسان بدا وكأنه يدير ظهراً لتجاوزات صارخة ولجرائم لا تُغتفر، مما جعلنا ندرك بشكل لا يقبل الشك أن مسألة حقوق الإنسان ليست سوى أكذوبة كبرى، لا تتجاوز كونها شعارات تستخدم لتحقيق مصالح معينة.
إن الازدواجية في المعايير حوّلت مفهوم حقوق الإنسان إلى امتياز يحتكره بعض البشر ويحرم منه آخرون بشكل غير عادل. هذا النمط من التعامل يستوجب إعادة نظر جادة وشاملة من كافة الناشطين في مجال حقوق الإنسان، لأن تغييب العدالة والمساواة يولّد أزمة أخلاقية تتطلب معالجة عاجلة.
ذلك التناقض بين الخطاب الفخم والواقع البائس يجعلنا نتساءل عن جدوى المنظمات الدولية والإقليمية في تأدية الدور الذي أُنشئت لأجله. الأزمات الإنسانية المتفاقمة في العالم باتت تكشف هشاشة هذه المؤسسات وازدواجية مواقفها وقراراتها. إذا بقيت تلك الجهات تتعامل بمعايير متناقضة، فإن مصداقيتها ستظل محل شك وستتعاظم الفجوة بينها وبين الشعوب المتضررة.
لا يمكن أن تستمر حقوق الأطفال خاصة وحقوق الإنسان عامة كمجرد شعارات مفرغة تسوّقها وسائل الإعلام والمؤتمرات الدولية بينما يُغض الطرف عن الجرائم والانتهاكات في مناطق متعددة حول العالم. نحن بحاجة إلى وقفة جماعية حقيقية، إلى تغيير جوهري لنظم العمل الدولي وتعزيز آليات المحاسبة. فالحديث عن الإنسانية وحقوق الإنسان يجب أن يخرج من دائرة الكلمات الجميلة والمواقف المثالية وأن يتحول إلى أفعال ملموسة تساهم في تقليص معاناة البشرية بفعالية وعدالة.
إن الدعوة الآن مُلِحة لكل المهتمين بقضايا حقوق الإنسان للعمل على كشف هذا التناقض والمطالبة بمعايير موحدة تخدم القيم الأخلاقية العالمية، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو الموقع الجغرافي. هذا هو السبيل الوحيد لضمان أن لا يصبح الضحايا مجرد أرقام تُكتب في تقارير بلا معنى، بل قصص حقيقية تستحق التضامن والتحرك لنصرتها وحمايتها من أجل بناء عالم أكثر استقراراً وعدالة لكل البشرية.


