اقلام حرةالرئيسيةمقالات

حين تختلط الشعارات: قراءة نقدية في مفهومي التحرير والتمكين

فاطمة ابوواصل اغبارية

“ليست كل دعوة إلى التحرير مشروعًا للعدالة، وليست كل خطة للتمكين ضمانًا للإنصاف. بين الشعارين مساحة واسعة من الالتباس، تختلط فيها النوايا بالمفاهيم، ويضيع السؤال الجوهري: ماذا نريد فعلًا للمرأة؟”

في كل مرة يتصاعد فيها الجدل حول قضايا المرأة، تعود المصطلحات ذاتها إلى الواجهة: تحرير المرأة وتمكين المرأة. تتردد الكلمات في البرامج الحوارية، وتتصدر العناوين الصحفية، وتتحول إلى شعارات تتنازعها الاتجاهات الفكرية. غير أن اللافت ليس كثرة استخدامها، بل خفة التعامل معها؛ إذ غالبًا ما تُستعمل بالتبادل، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، دون وعي بالفروق الدقيقة التي تفصل بينهما.

وهنا تبدأ الإشكالية.

فالتحرير ليس هو التمكين، كما أن إزالة القيد لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة. قد تتحرر المرأة من عائق قانوني، لكنها تظل محرومة من أدوات الفعل. وقد تُمنح برامج تمكين واسعة، بينما تبقى بعض أشكال الظلم البنيوي قائمة في العمق.

تاريخيًا، ارتبط مفهوم “تحرير المرأة” في السياق العربي بمرحلة الإصلاح الاجتماعي في أواخر القرن التاسع عشر، وبرز بوضوح مع صدور كتاب تحرير المرأة للمفكر المصري قاسم أمين عام 1899. وقد انطلق المفهوم آنذاك من فكرة إزالة القيود الاجتماعية التي تعيق مشاركة المرأة في التعليم والحياة العامة.

التحرير، في جوهره، يفترض وجود قيد ينبغي رفعه، أو ظلم يستوجب المعالجة. إنه سؤال عن العدالة، وعن البنية التي قد تعيق حرية الفرد. غير أن الإشكال يظهر حين يتحول المفهوم إلى قطيعة مع الهوية أو صدام مع الموروث بدل أن يكون إصلاحًا من داخله.

في المقابل، برز مفهوم “تمكين المرأة” في الأدبيات التنموية الحديثة، خاصة في تقارير الأمم المتحدةوبرامج برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث ارتبط بتعزيز القدرات، وبناء المهارات، وتكافؤ الفرص في التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

التمكين لا يركز على إزالة القيد بقدر ما يركز على توفير الوسيلة. إنه سؤال عن القدرة لا عن التحرر فقط. فحرية بلا أدوات قد تبقى شكلية، كما أن فرصًا بلا عدالة قد تعيد إنتاج التفاوت بصيغة مختلفة.

وإذا عدنا إلى المرجعية القرآنية، نجد أن النص لا يستخدم المصطلحين بصيغتهما الحديثة، لكنه يؤسس لمبدأ الكرامة الإنسانية المشتركة والمسؤولية الفردية المستقلة. فالإنسان – ذكرًا وأنثى – مكرّم ومستخلف، ومسؤول عن عمله. ومن هذا المنطلق يمكن فهم التمكين في إطار الاستخلاف، والتحرير في إطار رفع الظلم، دون أن يعني ذلك انفصالًا عن القيم أو تفككًا في البناء الأخلاقي.

فلسفيًا، ارتبط مفهوم التحرير بالفكر الليبرالي الحديث كما في كتابات John Stuart Mill، الذي دافع عن حرية الفرد ما لم يضر بالآخرين. غير أن الفلسفة المعاصرة، خاصة في طرح Amartya Sen، وسّعت المفهوم ليشمل “القدرة الفعلية” على الاختيار، لا مجرد غياب الإكراه. وهنا يلتقي التحرير بالتمكين في نقطة التكامل: عدالة ترفع الظلم، وقدرة تصنع الإمكان.

أما سوسيولوجيًا، فإن أي تغيير لا يراعي توازن المجتمع قد يُحدث صدمة ثقافية. يشير Émile Durkheim إلى أهمية الحفاظ على التضامن الاجتماعي، بينما يوضح Pierre Bourdieu كيف تعيد الثقافة إنتاج أنماط السلطة. من هنا، فإن أي مشروع تحريري أو تمكيني لا بد أن ينطلق من فهم البنية العميقة للمجتمع، لا من استيراد نماذج جاهزة.

المشكلة إذًا ليست في المصطلحين، بل في الخلط بينهما في الخطاب الإعلامي. حين يتحول التحرير إلى مرادف للتمرد، ويتم اختزال التمكين في أرقام وتقارير، تضيع المسافة الفاصلة بين العدالة والقدرة، ويتحول النقاش إلى استقطاب حاد

الخاتمة

في النهاية، ليست المعركة بين تحرير وتمكين، بل بين وضوح المفهوم وضبابية الشعار. فالتحرير إن لم يُؤسَّس على عدالة راسخة تحوّل إلى صدام، والتمكين إن لم يُبنَ على وعي عميق صار رقمًا في تقرير لا يغيّر الواقع.

المرأة ليست ساحة اختبار للأيديولوجيات، ولا عنوانًا للمزايدات الخطابية. إنها شريك كامل في صناعة المعنى وبناء المجتمع. وحين نمنحها عدالة ترفع الظلم، وقدرة تصنع الإمكان، نكون قد تجاوزنا الجدل إلى الفعل.

إن الطريق إلى النهضة لا يمر عبر تضخيم الشعارات، بل عبر تحرير المفاهيم أولًا، وتمكين الوعي ثانيًا، ثم تمكين الإنسان فعلًا. فحيث تجتمع العدالة مع القدرة، يبدأ البناء الحقيقي.

الدكتورة فاطمة أبوواصل إغبارية

باحثة وأكاديمية في قضايا اللغة والفكر والهوية

رئيسة المجلس الأكاديمي الأعلى – NISA Women’s College – الهند

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى