اقلام حرة

حكايا من القرايا ” وتزوج أبو شريف “

حكايا من القرايا

” وتزوج أبو شريف ”

ما هذا السقوط الاجتماعي المريع يا أبا الشريف؟ كنت صاحب كلمة في البلد، ورجل إصلاح يعتدّ به، وكلمتك لا تصير اثنتين، ولا تسقط على الأرض… بل كان كلامك كله أوامر، كانت حطّتك منشّاة، عليها عقال المرعز… وقمبازك على لون الجاكيت، تصمت فيصمت الناس، تتحدث فيسمع الناس… وحيدك شريف، الذي خلّفته بعد خمس بنات لم تكن لتأبه به أو تلاعبه خوف أن يكسر صورتك…

بدأ انهيارك عندما ماتت المرحومة أم الشريف، المرأة التي خدمتك ورعتك أحسن رعاية، تبدأ خدمتها من لحظة فطورك الصباحي، إلى لحظة نومك عندما تسدل الحرامات عليك… ما أروع تلك المخلوقة… الله يرحمها… في بيت أجرها، وبينما كان الناس صامتين، وأنت ساهم بتفكيرك، ولا صوت في الساحة كلها إلا حفيدتك صباح ابنة السادسة من العمر، تبكي بكاءً مرّاً وتجوح، ناديتها فأتت إليك بين الرجال، وسألتها ما بك؟ فذكرت جدتها الفقيدة، وزاد نشيجها، فقلت لها تطيّب خاطرها: لا تبكي يا سيدي … بُكْرا بجيب لك وَحَدي أحسن منها… وانقلب الصمت ضحكاً في بيت الأجر… وقال الرجال: لقد هَسْتَرَ أبو الشريف… هَسْتَر أبو الشريف…

وانكسرت صورتك يا حزين، وتبددت هالتك الاجتماعية، عندما خلعت القمباز ولبست بدلاً منه البنطال والقميص، وعدت شاباً كما كنت تدعي قدّام الناس، وانطلقت على حمارك قبل أن ينتهي أربعين المرحومة تبحث عن عروس… بهدلت نفسك يا رجل، وأنت تتظاهر بقوتك وتكاسر الشباب، ويدعونك تغلبهم؛ كي تستمر المهزلة، وتدلي بمعلومات كاذبة عن عمرك، وتدّعي المعارف، وتراهق وأنت عجوز… لقد صرت خرّيفيّة البلد بل المنطقة كلها…

تزوج أبو الشريف، وقسم النصيب أن تكون زوجته الجديدة أصغر سنّاً من بناته، وأبو الشريف شاف هالشوفة، وعاش هالعيشة، فبدأ يتدلع، وزاد جنونه، زاد هذره ومزاحه الفاضي، وكأنه المرّة الأولى التي يتزوج بها… تراه يتحدث عن شطارة زوجته في كل محفل أمام النساء والرجال… يتحدث عن طبيخها وعِدْلَتها ونظافة غسيلها… واحترامها للضيوف… ويسرد القصة تلو القصة عنها… باخت خراريفك يا (أبو الشريف)، وكأنك تعيش طفولة جديدة ولكن في جسد مهترىء… عندما كانت تناديه وهو بين الرجال… يبتسم ويركض إليها كأنه في ماراثون، وعندما تكلمه، لا يردّ إلا حاضر… حاضر يا ست… وكأنه بهلوان… وقطع الرجل عمله في الأرض، وبدأ ينتظر ابنه المغترب شريفاً كي يرسل له ما يعيش به… وزاد جنون الرجل عندما خلّف سميراً، وتبعته وداد… كان الناس ينظرون ويضحكون عليه، وهو يطارد صغيريْه هنا وهناك، ويلاعبهم في الحارة، وكأنه الطفل ويتحدث بلكنتهم المكسورة… وكان يزعل من أي واحد يحاول تصليح دلع طفليْه… أو يقدم النصيحة لأبي الشريف كي يكبر قليلاً في أفعاله…

في ليلة ما فيها ظيْ قمر… رجع إلى البيت، فوجده قاعاً صفصفاً، نادى: أم سمير… أم سمير… سمير… وداد… لا أحد يجيب… المستورة حردت على دار أهلها… ما دهاها؟ ما السبب؟ بدأ يتشغنف كاليتيم… وبدأت القصص تتعاظم حوله… والجاهات تروح وتأتي بلا فائدة… عاد الشريف المغترب، وأنهى الموضوع بالطلاق والنفقة للصغيريْن، وأخذ والده معه إلى البلاد البعيدة البعيدة… وبقيت خراريفه تخبو لحظة وتظهر لحظات كأنها شمس تبزغ من خلل الغيوم…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة + 16 =

إغلاق