الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا “الإشاعة خرّبت بلاد”

عمر عبد الرحمن نمر

أبو سالم، صاحب عرباية بثلاث عجلات، عليها سدر من الهريسة، أبو سالم طول عمره يترزّق، ويعيل أسرة من بيع الهرايس، كان يصفّ عربته في الصباح خارج بوابة المدرسة، وفي الفرصة يدخلها إلى الملعب، كانت هرايس عمي أبو سالم زاكية. كيف لا وقد قضى الرجل عمره، يعجنها، ويخبزها، ويخرجها في السدر قطعاً مربعةً شهيّةً… وكان الأولاد يتحلّقون حول العرباية، ويتدافعون في الشراء…

وذات يوم، وكأن العم أبو سالم نسي سدر الهريسة في الفرن أكثر بقليل من المعتاد، فاحمرّ وجه الهريسة أكثر، واسودّت حبات اللوز التي على قطع الهريسة…

وأظنها شقاوة الأطفال، هي التي صممت إشاعةً قاتلةً، سرعان ما انتشرت بين الطلاب… مفادها ” سدر الهريسة محشو بالذباب” وسرعان ما صُدّقَت الإشاعة والطلاب ينظرون إلى ما اسودّ من اللوز، وبدا كأنه الذباب… فأحجم الطلاب عن الشراء، والبائع مندهش من الوضع، وصاح مدللا على البضاعة، ولا مجيب… وصاح أكثر… وجاء طالب كبير ” ويا غافل إلك الله” واشترى قطعة هريسة، فتغامز عليه التلاميذ، وهو يأكلها، شكّ بالأمر، توقف عن المضغ، ثم رماها في الحاوية، بعد أن وصلته الإشاعة… يا حرام… كسدت الهرايس، وتلبّد وجه البائع بغيوم من الحزن…

وفجأة أخذ مجروده الذي يقطع فيه الهريسة، وكبّر القطع، وأوجد حدوداً جديدة بينها، حتى أصبحت القطعة قدر قطعتين، ومع هذا أحجم الزبائن عن الشراء…

دفع الرجل عربايته، وانسلّ بها إلى البيت، حاول أن يجد سبباً لكساد الهرايس، لكنه لم يتوصل لأي سبب، سوى أنها أرزاق مقدرة…

في اليوم التالي، جدّد عمي أبو سالم سدر الهريسة، وكانت شقراء ساخنة، يزيّنها اللوز، كما الوشم في خد عروس، وألزم البائع شفتيه ابتسامة، وكلمات طريّة، وبعض الأغاني لجلب التلاميذ… ولكن فرصة اليوم الثاني، لم تكن أفضل من اليوم الذي سبقه، فلا شكل الهريسة جذب التلاميذ، ولا لوزها المقرمش، ولا الابتسامة والكلمات الرطبة… ولا الأغاني… وأحجم التلاميذ كلهم عن أكل الهريسة، وكأنهم اتفقوا على ذلك… وعندما قاربت الفرصة على الانتهاء، وسدر الهريسة على ما هو عليه، انقهر أبو سالم، وحمل السدر، وكبّه على الأرض، وصار يدوسه برجليه، ثم حمله فارغاً، وسط اندهاش التلاميذ، ودفع عربايته، وعاد إلى البيت… قبل المغرب، اشترى حماراً، ومشتيلاً، وخُرْجاً، وفاساً. في الصباح… الله يصبح الغانمين بالخير، ربط العرباية بجنزير في الشجرة، وحلّ حماره، وانطلق إلى ساحة البلدة يبحث عن عمل…

والله فتحها بوجهه… صار يعمل عند الناس بالدور… هذا يريده لحفر جور للغراس، وذاك لتحميل أغراض، وآخر لتقليم شجر… وآخر لتعشيب أرض…

تنهّد عمي أبو سالم، وهو يتناول فطوره تحت السنديانة الكبيرة، وقال ” الله بسكرها من باب، وبفتحها من عشرين باب” سبحان الله…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − ثمانية =

إغلاق