من السرد إلى المسردية… حين يعبر النقد حدود النص ، بقلم الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي
فاطمة عيساوي _الفريق الإعلامي_


ثمة كتبٌ نقدية تأتي لتشرح النص، وكتبٌ تأتي لتجادله، وأخرى تدخل معه في مغامرة تأويلية لا يكون القارئ بعدها كما كان قبلها. ويبدو كتاب «من السرد إلى المسردية: نحو خطاب سردي مغاير في مشروع عزّ الدين جلاوجي» للدكتورة وسام علي الخالدي من الصنف الأخير؛ فهو لا يتعامل مع النقد بوصفه مرآةً تعكس ما يقوله النص، بل بوصفه فعلاً معرفياً وجمالياً يعيد اكتشاف النص من الداخل، ويفتح في بنيته منافذ جديدة للقراءة.
منذ عتبته الأولى يعلن الكتاب عن رهانه؛ فالمؤلفة تهدي أثرها إلى الذين يمتلكون «شفرات قراءة الجمال»، وتتخذ من دهشة النص منطلقاً ومن عمق القراءة غاية. وهذه العبارة ليست مجرد صياغة إهدائية جميلة، وإنما تبدو مفتاحاً روحياً ومنهجياً للكتاب كله؛ إذ إن القراءة عند وسام علي الخالدي لا تقف عند سطح الحكاية، ولا تكتفي بتسمية التقنيات، وإنما تحاول النفاذ إلى المناطق التي يتولد فيها المعنى، حيث تتجاور البنية والدلالة، ويتعانق الجمالي والفكري، ويتحول الشكل نفسه إلى خطابٍ عن الإنسان والعالم.
ينطلق الكتاب من وعي واضح بأن النقد الأدبي المعاصر لم يعد قراءة تفسيرية مباشرة للنصوص، وإنما أصبح ممارسة تستنطق البنى العميقة للخطاب، وتكشف أنساقه المضمرة، وتضيء مسارات تشكله الفني والفكري. ومن هنا لا تأتي تجربة عزّ الدين جلاوجي في الكتاب باعتبارها مادة تطبيقية عابرة، بل باعتبارها مشروعاً إبداعياً يختبر قدرة النص العربي المعاصر على تجاوز الحدود الأجناسية الموروثة.
وهنا تكمن إحدى أهم مزايا الكتاب: أنه لم يقرأ «المسردية» بوصفها مجرد مصطلح جديد، أو لعبة اصطلاحية تستبدل اسماً باسم، وإنما حاول أن يختبر فاعليتها داخل النصوص، وأن يسأل عن ضرورتها الجمالية، وعن قدرتها على إنتاج خطاب مختلف. فالمسردية، كما تتكشف في صفحات الكتاب، ليست جمعاً ميكانيكياً بين السرد والمسرح، وإنما حالة من التفاعل العضوي، تتحول فيها الرواية إلى فضاء للمشهد، ويتحول المسرح إلى طاقة حكائية، ويتبادل الطرفان وظائفهما حتى يصبح الفصل بينهما أقل أهمية من الأثر الجمالي الذي يولده امتزاجهما. وهذا ما تؤكده الدراسات التطبيقية التي ترى في المسردية عند جلاوجي انصهاراً بنيوياً بين الحكائي والدرامي، لا مجرد مجاورة شكلية بينهما.
ولعل أكثر ما يلفت في الكتاب أن المؤلفة لا تقرأ التجريب الجالوجي باعتباره نزوعاً شكلياً إلى كسر القوالب، بل تربط الشكل بمأزق الإنسان المعاصر. ففي قراءة «أنا لست أنا» مثلاً، يصبح التشظي الأجناسي معادلاً لتشظي الذات، ويغدو انتقال الشخصية من الاسم إلى الرقم علامة على فقدان الإنسان اسمه وهويته وذاكرته. فالشخصيات التي تحمل مسميات مثل «مليار» و«بليون» لا تبدو مجرد شخصيات فنية غريبة، وإنما تتحول إلى علامات على عالمٍ جُرّد فيه الإنسان من فرديته حتى أصبح رقماً في منظومة المادة والحرب والاستهلاك.
وهكذا تنجح القراءة في الإمساك بالعلاقة الدقيقة بين شكل النص ومضمونه؛ فالنص المشظى لا يعبر عن عالم مستقر، والنص الهجين لا يجيء من فراغ، وإنما يولد من واقع فقد استقراره هو الآخر. ولذلك يصبح انفتاح الجنس الأدبي انعكاساً لانفتاح سؤال الوجود، ويصبح اضطراب الشكل الفني صورة موازية لاضطراب الإنسان في عالم تتراجع فيه الهوية أمام الآلة، وتتوارى الذاكرة أمام الاستهلاك، ويغدو الموت نفسه قابلاً للتحول إلى سلعة.
وفي «أنا لست أنا» أيضاً تكشف المؤلفة عن براعة جلاوجي في جعل القارئ طرفاً في عملية البناء الدلالي؛ فالراوي، والحوار، والإشارات الركحية، والحركة، وطبول الحرب، وشاشات التلفاز، كلها لا تعمل منفردة، وإنما تتضافر لتدفع المتلقي من موقع المستهلك إلى موقع الشريك. وبذلك لا يعود القارئ أمام نص جاهز، وإنما أمام فضاء عليه أن يعيد تركيبه ذهنياً وتأويلياً.
ومن هنا فإن المسردية لا تغيّر شكل الكتابة فقط، وإنما تغيّر شكل القراءة أيضاً. وهذه نقطة بالغة الأهمية في المشروع النقدي للكتاب؛ لأن تجديد النص لا يكتمل إلا بتجديد المتلقي. فإذا كان جلاوجي يهدم الحدود بين الرواية والمسرح، فإن وسام علي الخالدي تحاول أن تهدم، في المقابل، الحدود التي تفصل القراءة عن التأويل، والمنهج عن حساسية النص، والنقد عن جماليات التلقي.
وفي قراءة «هستيريا الدم» يتخذ المشروع النقدي منحى آخر أكثر التصاقاً بالتاريخ والذاكرة والصدمة الإنسانية. هنا يصبح السرد قناعاً يكشف ما عجز المسرح وحده عن احتوائه؛ إذ تستدعي تقنيات الاسترجاع الماضي الاستعماري إلى الحاضر، وتفتح الذاكرة جرحاً لم يندمل. وقد جعلت الدراسة من «قناع السرد» مدخلاً للكشف عن العلاقة بين الفعل المسرحي والحكي، وعن كيفية توظيف الاسترجاع والوصف والمفارقة الزمنية في توسيع فضاء النص.
واللافت أن القراءة لا تقف عند حدود إدانة الجريمة التاريخية، وإنما تنفذ إلى سيكولوجية الجلاد نفسه؛ فشخصية «فرونسوا» تُقرأ من خلال التروما وعذاب الضمير، بينما تعود أصوات الضحايا عبر الذاكرة لتقلب علاقة القوة بين الجلاد والضحية. ويتحول الدم من أثر مادي للجريمة إلى علامة تتجاوز حدود الزمان والمكان، حتى تصبح الذاكرة نفسها قوة مقاومة للنسيان.
وفي «ملح وفرات» يتسع أفق القراءة ليشتغل العنوان نفسه بوصفه عتبة دلالية؛ فالملح والفرات يتحولان إلى قطبين رمزيين تتجاور فيهما العذوبة والمرارة، الصفاء والكدر، والانعتاق والقهر. وهنا تظهر قدرة القراءة على تحويل العتبة النصية من مجرد عنوان إلى مفتاح تأويلي يضيء البنية العميقة للعمل.
أما في «أحلام الغول الكبير»، فتتجه المقاربة إلى الكشف عن إعادة هندسة البياض، وعن تحوّل الإرشادات المسرحية من هامش تقني إلى متن حكائي يقود وعي المتلقي، بما يجعل النص في منطقة مغايرة بين أن يكون مسرحاً يُقرأ ورواية تُشاهد.
وتتسع خارطة الكتاب كذلك لتشمل «الأقنعة المثقوبة» و«النخلة وسلطان المدينة» و«رحلة فداء»، وغيرها من النصوص التي تتعامل معها المؤلفة لا باعتبارها نماذج متشابهة، وإنما بوصف كل نص منها مختبراً خاصاً تتغير فيه آليات المسردية ودلالاتها. ففي «الأقنعة المثقوبة» يصبح القناع نظاماً عالماتياً يكشف الهوية الممزقة، بينما يتحول المكان إلى منفى داخلي، ويتحول الزمن إلى مقياس للوجع والضياع. وفي «النخلة وسلطان المدينة» يتحول الجسد إلى مساحة للمقاومة، وتغدو المسردية وثيقة أدبية تحتفي بالجسد الحي في مواجهة سلطة التجميد والإخضاع.
وهذا التنوع في النصوص المقروءة يكشف أن الكتاب لا يريد أن يثبت فكرة مسبقة ثم يبحث لها عن شواهد، بل يختبر المفهوم عبر تجليات متعددة. ولذلك تتكرر المسردية في الكتاب، لكنّها لا تتكرر بالمعنى نفسه؛ فهي تتلون بحسب الموضوع، والفضاء، والشخصية، والذاكرة، واللغة، والتاريخ. مرةً تكون أداة لكشف اغتراب الإنسان، ومرةً وسيلة لاستعادة الذاكرة، ومرةً فضاءً لمساءلة السلطة، ومرةً جسراً بين التاريخ والحاضر.
ومن أجمل ما يميز هذا المشروع أن المؤلفة لا تفصل بين المنهج وخصوصية النص. فهي تستعين بالبنية والسيمياء والتفكيك والنقد الأجناسي وجماليات التلقي والتحليل النفسي وغيرها من الآليات، ولكنها لا تجعل المنهج قفصاً للنص. بل يبدو المنهج في الكتاب أشبه بمصباح يتغير موقعه كلما تغيرت زاوية النص. وهذه مرونة منهجية تحسب للكتاب؛ لأن النصوص التجريبية لا تستجيب دائماً لمفتاح نقدي واحد، ولا تسمح للناقد أن يفرض عليها نظاماً جاهزاً.
إن القيمة الحقيقية لكتاب «من السرد إلى المسردية» تكمن، في النهاية، في أنه يقف عند منطقة شديدة الحساسية من النقد العربي المعاصر: منطقة البحث عن لغة نقدية قادرة على مرافقة التجريب الإبداعي العربي من الداخل. فالكتاب لا يكتفي باستيراد المصطلح أو تطبيقه، بل يحاول مساءلة كفايته الإجرائية واختباره في النصوص. وفي هذا السياق يذهب إلى أن المسردية عند جلاوجي تتجاوز التوليفة الاصطلاحية لتصبح بديلاً جمالياً ومفهومياً، بل «كينونة جنسية ثالثة» تنصهر فيها طاقة الحكاية بحرارة الركح.
ولذلك فإن الكتاب، وإن كان ينطلق من مشروع مبدع بعينه، لا ينتهي عنده؛ فهو يفتح سؤالاً أوسع يتعلق بمصير الأجناس الأدبية في الكتابة العربية الجديدة: هل ما زالت الحدود القديمة بين الرواية والمسرح والشعر قادرة على احتواء النص المعاصر؟ وهل نحن أمام مرحلة يصبح فيها النص أكبر من جنسه؟ وهل يمكن للنقد العربي أن ينتج مفاهيمه من رحم التجربة العربية، بدلاً من الاكتفاء باستعارة الأدوات والمصطلحات من خارجها؟
هذه الأسئلة تجعل الكتاب يتجاوز حدود الدراسة التطبيقية إلى أفق نقدي أرحب؛ لأنه يضع التجريب في مواجهة النظرية، والنص في مواجهة القالب، والإنسان في مواجهة عالمه المتشظي.
ولعل أجمل ما يمكن قوله في هذا الكتاب أن وسام علي الخالدي لم تقرأ جلاوجي من خارجه، بل دخلت إلى مختبره الإبداعي، وأنصتت إلى ارتجافات نصوصه، ثم حاولت أن تمنح تلك الارتجافات لغة نقدية تكشف ما وراءها. فالنقد هنا ليس تشريحاً بارداً للنص، بل حوار حي معه؛ وليس بحثاً عن خاتمة مغلقة، بل اقتراحاً لطرائق أخرى في النظر.
ومن السرد إلى المسردية، لا تبدو الرحلة انتقالاً من مصطلح إلى مصطلح، بقدر ما تبدو انتقالاً من حدود النوع إلى رحابة النص، ومن سلطة القالب إلى حرية التجريب، ومن القراءة التي تكتفي بما يقوله النص إلى القراءة التي تصغي لما لم يقله بعد.
وهنا تحديداً يكتسب الكتاب مشروعيته: فهو لا يعلن أن القراءة قد قالت كلمتها الأخيرة في مشروع عزّ الدين جلاوجي، بل يؤكد أن النصوص الكبيرة تظل قابلة للتجدد مع كل قراءة، وأن كل قراءة حقيقية ليست إغلاقاً للنص، وإنما فتحٌ جديد لأفقه. وهذه الفكرة التي تحضر في مقدمة الكتاب هي في الحقيقة خلاصة تجربته كلها: النقد حين يكون حياً لا يطفئ دهشة النص، بل يمنحها اسماً آخر كي تستمر.
وفي هذا المعنى، فإن «من السرد إلى المسردية» ليس كتاباً عن المسردية وحسب؛ إنه كتاب عن شغف القراءة نفسها، وعن قدرة النقد حين يتسلح بالمعرفة وتبقى في يده ذائقة الجمال، على أن يجعل من النص الأدبي مساحةً أخرى للحياة، ومن القراءة فعلاً من أفعال الاكتشاف.

بقلم الدكتورة وسام علي الخالدي

