
المقدمة
: تعد رواية «الناجي الوحيد» للكاتب الفلسطيني “محمد الشيخ علي“ تجربة سردية فلسطينية جريئة تمزج بين الواقع والخيال العلمي، وبين الحرب والمختبر، لتعيد مساءلة معنى الحياةوالنجاة في زمن سيطر فيه الذكاء الاصطناعي على حياة البشر،إذ يقدم الكاتب نصًا رمزيًا يتقاطع فيه الأدب مع العلم لتفكيك الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي من منظور إنساني وكوني، حيث تؤكد الرواية أن الخلاص الحقيقي يكمن في التربية والوعي الإنساني لا في أوهام التكنولوجيا، طارحةً سؤال المصير الإنساني: هل يمكن تحقيق التعايش الإنساني بين الشعوب في زمن السلام إذا فشل في زمن الحرب؟ وهل يمكن للعلم أن ينقذ الإنسان من مأساته، أم أنّه يعيد إنتاجها في صورة أكثر قسوة؟
فكرة الراوية:
رواية “الناجي الوحيد” لمحمد الشيخ علي (2025، دار أرفلون، 393 صفحة) هي عمل أدبي حديث يمتد زمن أحداثه أكثر من أربعين عامًا، بدءًا من 7 أكتوبر 2023.
تبدأ الرواية بسرد رحلة نفيسة، امرأة فلسطينية مسنّة هجرت من يافا، عاشت ذكريات المدينة وحدائقها الجميلة، ثم تزوجت المناضل غالب عريف واستقرت في غزة، محاطة بأبنائها وأحفادها الموهوبين. تخضع نفيسة لتجربة حمل غريبة عبر التلقيح الصناعي بواسطة روبوت على هيئة نحلة، لإنتاج سلالة سامية،ويظهر الطبيب اليهودي موشي للإشراف على الحمل وسط دهشة أحفادها وغضب زوجها.
مع اندلاع حرب السابع من أكتوبر، تضطر العائلة للنزوح إلى رفح، حيث تضع نفيسة مولودًا فريدًا، رجلًا في التسعين، أبيض الشعر، يتكلم عدة لغات، يتلو القرآن، ويردد الشعر العربي، أسمته الأم باسم، وأسماه الطبيب موشي “إسحاق”. هذا المخلوق” بيوستار1″ لم يجد قبولًا بين أفراد العائلة، وتموت نفيسة تاركة ابنها يبكي على جثمانها.
وبدأ هذا المولود العجيب يسير عكس الزمن، فأصبح عمره في الخامسة والعشرين، واكتست عظامه لحما. يُختطف إسحاق برفقة الطبيب موشى ويضافا إلى قائمة المختطفين في السابع من أكتوبر، ويتعرف إسحاق على ممرضة فلسطينية اسمها سارة هارون بعد أن فقدت معظم أسرتها في قصف بيتها، فتصبح علاقته بها خيطًا إنسانيًا وسط بحر الدماء والدمار، ويهربإسحاق وموشي من المختطفين، ويعيشان مع النازحين في خيام خانيونس، ويحاول إسحاق أن يذوب في حياة المخيم القاسية،حيث تتصاعد مأساة النازحين في وصف دقيق لحياتهم اليومية: البحث عن الماء والطعام والحطب، والتكيات، ومدارس الخيام المتهالكة، النزاعات، والمجاعة، ما يعكس أبعادًا إنسانية واجتماعية صادمة.
ويحاول إسحاق خطبة سارة هارون وسط تحذير من موشيمذكراً إياه بخطة المعهد البيوتكنولوجي وزواجه المقرر من توأمه سارة أوشسكين، المولودة من رحم فرس عربية لإنتاج سلالة مثاليةسامية.
يعيش إسحاق صراعًا داخليًا بين جذوره الفلسطينية وحبه لأهل غزة، وبين جذوره اليهودية والمشروع العلمي. يتم اختطافه مع الطبيب ويُعاد إلى المعهد البيو تكنولوجي، ويهرب عندما لم يجد قبولا من سارة أوشسكين عائداً إلى غزة، حيث خيمته بجوار سارة هارون، ولكنه يختطف مرة أخرى، ويتزوج سارة أوشسكينبحسب خطة المعهد، وينجب أربعة توائم، يعلن حينها الطبيب ديفيد الذي أكمل التجربة بعد موت موشي، فشل التجربة العلمية، ولكن إسحاق يبذل جهدا كبيرا في تربية أبنائه ورعايتهم حتى يتفوقوا ويتبوؤا مناصب عليا من خلال التربية، لا من خلال الجينات الوراثية كما هدفت التجربة.
ومع مرور الزمن، يكبر أبناؤه ويبدؤون في رفض شروط التجربة، إذ يرغب بعضهم في الزواج من خارج السلالة، وتقع إحدى بناته في حب محمد عمران، الفلسطيني الناجي الوحيد، وبالرغم من معارضة سارة هارون التي تبنته، إلا أنها تقتنع لاحقًا وتوافق على الزواج.
تمضي عجلة الزمن أربعين عامًا إلى الأمام، ويعود إسحاق لزيارة سارة هارون في غزة، ويتفاجأ بآثار الدمار التي ما زالت قائمة، لتذكي ذاكرة الناس بوحشية الحرب، فهي مدينة لا تحمل من غزة إلا اسمها، ويسترجعان ذكريات الماضي، وأحاديث الأم نفيسة، وزواج محمد من ابنته الذي مثّل بارقة أمل للمصالحة.
تُغلق الرواية دائرتها بعودة “النحلة” مجددًا “الروبوت الغامض“ الذي بدأ الحكاية، ومحاولة سارة السبعينية للاستجابة لها، وانفعال إسحاق محذرا: “ لا تسلّمي نفسك لهذه النحلة اللعينة، أرجوك، لا تعطيهم فرصة للتلاعب بنا مرة أخرى، البشر ليسوا لعبة في أيدي الواهمين والحالمين”. ص393
دلالة العنوان والغلاف والإهداء في الرواية:
يشكل العنوان مدخلاً دلاليًا ورمزيًا لفهم البنية السردية والفكرية للرواية، إذ لا يؤدي وظيفة التسمية فحسب، بل يمثل «خطابًا موازياً يكشف جزءًا من البنية السردية ويؤطر عملية التلقي» كما يرى محمد مفتاح ، إن لفظ الناجي يحيل إلى فعل البقاء رغم التهجير والموت والدمار، غير أنّ هذه النجاة لا تكتمل؛ فهي في جوهرها موت مؤجّل، فالناجي الوحيد في هذا السياق ليس رمزًا للخلاص، بل تجسيد لمأساة البقاء بعد الفقد؛ إذ تتحول النجاة إلى “موت مؤجّل”، يعبّر عن اغتراب الكائن حين يفقد ذاكرته الجماعية. أما صفة الوحيد فيحمل دلالة التفرّد والانفصال، لكنه ينطوي كذلك على بعد مأساوي يضاعف عبء النجاة، فيجعل البقاء نفسه ضربًا من المعاناة فتضاعف البعد المأساوي، لتشير إلى عزلة الناجي وانفصاله عن الجذر والمكان، فيغدو العنوان اختزالًا للمفارقة المركزية في الرواية: النجاة الجسدية في مواجهة الفقد الروحي والاجتماعي.
وبذلك، يتحول العنوان إلى رؤية رمزية شاملة تختزل المأساة الفلسطينية في نموذج الناجي الفرد، الذي ينجو جسديًا لكنه يبقى سجين الخراب الداخلي.
ويثير العنوان منذ البدء سؤالًا جوهريًا: من هو الناجي الوحيد؟ أهو محمد عمران الذي ظل على قيد الحياة بعد فقدان أسرته كلّها، متحوّلًا إلى رمز للبقاء الفردي في مقابل الفقد الجمعي؟ أم هو إسحاق الذي تعرض الرواية مساره الشخصي وذاكرته المميزة ومحاولاته لفهم واقعه بعد الكارثة، ليصبح بؤرة للسرد ومركزًا دلاليًا للحبكة؟
أما الغلاف، فهو نص بصري موازٍ يعمّق هذه الدلالة؛ إذ يغلب عليه السواد بوصفه لون العدم، بينما تتوسطه زهرة بيضاء ترمز للنقاء والبراءة المهددة بالزوال. ويتجلى التناقض اللوني (أسود/أبيض) بوصفه مجازًا لثنائية الموت والحياة، فيما تحوم الفراشات البيضاء حول الزهرة كرموز للأرواح الناجية من الدمار، منسجمة مع عنوان الرواية. أما صورة الطفلين الجالسين تحت الزهرة، فتجسّد الجيل الجديد الذي وُلد من رحم التجربة العلمية، بانتظار مصير مجهول يرمز لاستمرار العبث الإنساني.
ويأتي الإهداء: «لكل من نجا وحده، وظن أن الوطن قد نجا معه» بوصفه مفتاحًا تأويليًا يختصر فلسفة الرواية، كاشفًا نقد وهم الخلاص الفردي. فالنجاة التي لا تشمل الجماعة تُفقد معناها، وتتحول إلى عبء وجودي. وهكذا تتكامل دلالات العنوان والغلاف والإهداء في بنية رمزية واحدة، تجعل من النجاة الفردية مرادفًا للعبث والاغتراب، ومن الفقد الجماعي قدرًا لا يمكن تجاوزه إلا عبر استعادة الذاكرة والهوية.
البنية الزمانية والمكانية:
يقدّم الكاتب في روايته لوحة متكاملة للوجود الفلسطيني في زمن ما بعد الكارثة، حيث يتحول المكان إلى ذاكرة، والزمن الفلسطيني إلى جرحٍ مفتوح يتكرر وبشكل أكثر قسوة، وأشد مما كان عليه، وتتجلّى في رواية الناجي الوحيد بنيةٌ زمانية ومكانية مكثّفة تعكس تداخل الوعي الفردي والجمعي في التجربة الفلسطينية. فالزمن في الرواية ليس خطيًا، بل تتداخل فيه الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، أما المكان، فليس مجرد حيّز جغرافي، بل فضاء يتلون بالوجع ويغدو علامة على التهجير والقهر والاقتلاع.
أولاً: البنية الزمانية
يتشكّل الزمن في الناجي الوحيد كبطلٍ خفي، فهو دائري متشظٍتتقاطع فيه الأزمنة الثلاثة، وبشكل دكتاتوري، كما يتجلى في ولادة إسحاق في عمر التسعين وتراجعه تدريجيًا، حيث يصغر مع الأيام، في استعارة عن الزمن الفلسطيني المعكوس الذي يبدأ من الخراب ويتراجع نحو الذاكرة ما يعكس مأساة الفلسطيني بين الكارثة والذاكرة. فالزمن ليس مجرد إطار سردي، بل عنصر فاعل يظهر في تقنية الاسترجاع التي تذيب الحدود الزمنية، كما في وعي نفيسة الذي يجمع بين الحاضر والماضي والمستقبل«فقد كان مركبها يحمل الماضي والحاضر والمستقبل بنفس الوقت، تحاول أن تتمالك أمام صخب الشباب ومعاناة الشيخوخة المريرة…» (ص14).
والرقم أربعون، في السياق الثقافي والديني له دلالات غنية،فهو يرمز إلى النضج والتحول، وفي الرواية، لا تمثل الأربعون وعيًا جديدًا أو اكتمالًا، بل إعادة إنتاج للخراب ذاته، أربعون عامًا من التيه الفلسطيني الذي يعيد الذاكرة إلى نقطة الصفر، إذ يعود إسحاق ليجد غزة كما تركها: مدمَّرة ومثقلة باليأس، وكأن الزمن لا يتقدم.
والرقم (تسعون، سبعون) يرتبطان بالوهن والعجز البيولوجي، لكنهما في الرواية تُستدعى لمساءلة حدود العلم نفسه، الذي يسعى لتحدي الشيخوخة ومحو أثر الزمن. بذلك تتقاطع هشاشة الجسد الإنساني مع جبروت التكنولوجيا في صراعٍ عبثي لا ينتج خلاصًا بل يزيد الغربة عمقًا.
وقد شكل السابع من أكتوبر محورًا زمنيًا حاسمًا في الرواية، كخط فاصل يعيد تعريف الوجود الفلسطيني، حيث تضغط هذه اللحظة الزمن وتلغي الفواصل بين التفكير والفعل، فتتحول إلى زمن صدمة يعيد تفجير الذاكرة الجمعية: «هل يمكنه المقارنة بين حياته قبل السابع من أكتوبر وبعدها… ما زالت الأجيال منذ سبعٍ وستين عامًا تحاول استيعاب مشاعر ما بعد النكبة» (ص184). يتحول الحدث إلى زمن تأسيسي يعيد رسم علاقة الفلسطيني بالمكان والهوية، ويكشف هشاشة “الآخر الإسرائيلي”: «سيبقى السابع من أكتوبر وصمة عار في جبين الجيش الإسرائيلي…» (ص226). وعلى المستوى الرمزي، يغدو الحدث انبعاثاً لغزة من تحت الركام: «السابع من أكتوبر منقوش في ذاكرة كل البشر… لم تندثر غزة تحت الأنقاض…» (ص385). هكذا يتحول الزمن إلى شخصية سردية، تتقاطع فيها الأزمنة الثلاثة: الماضي في يافا، الحاضر في غزة بعد السابع من أكتوبر، والمستقبل المشوَّه لمشروع الحمل الاصطناعي.
ثانياً: البنية المكانية
يشكل المكان في الرواية عنصراً فاعلاً في بناء السرد، موازياً للزمن، يعكس مأساة الفلسطيني بين الجذور والاقتلاع، وبين البيت الآمن والخراب، وبين الواقع والحلم المتخيّل.
يافا الفردوس المفقود: تمثل يافا مركز الذاكرة ومفتاح الهوية، وفضاء الجذور الأولى والبراءة، كما يظهر في وصف طفولة نفيسة المرتبطة بشاطئ البحر وأسواق العجمي«تطرقت لذكرياتها في حي العجمي، كثرة خيراتها في أسواقها…» (ص 13). تحولت يافا إلى رمز للفردوس الضائع والحنين إلى الماضي، بحيث يغدو استعادتها في السرد استعادةً للزمن المقطوع والجذور المسلوبة.
غزة فضاء العدم والاقتلاع: تجسّد غزة وجع الحاضر والمستقبل الفلسطيني بعد المقتلة، إذ تتحوّل المخيمات في مواصي خانيونس إلى فضاءات للمهانة والذل، بينما يظل الحطام ذاكرة للكرامة والرفض: «تعجّب بعض الركاب من جدوى التوجه نحو الجنوب…هل المقصود التهجير إلى مصر؟ والله بنموت كلنا ولا بنطلع من هالبلد، بيكفي مرة واحدة طلعنا من يافا» (ص37).
المعهد البيوتكنولوجي: مكان العبث العلمي والتجريب، حيث تتحول الأجساد إلى حقول تجارب، والذاكرة الفلسطينية إلى مختبر للسيطرة. وهكذا يغدو المعهد تجسيداً لمشروع علمي يلبس قناع التقدم لكنه ينطوي على نزعة استعمارية تحاول إخضاع الجسد والزمن معاً بلا قيم إنسانية.
جدلية الزمان والمكان:
إن ثنائية المكان والزمان في الناجي الوحيد تعكس بجلاء مأساة الفلسطيني الذي يعيش بين أرض مسلوبة وزمن معلق. فالمكان يتوزع بين الجذور (يافا)، والعدم (المخيم والبيت المهدّم)، والسيطرة التكنولوجية (المعهد البيوتكنولوجي)، والحلم (المكان الكوني) وفي كلّ هذه الفضاءات يتقاطع المكان مع الزمان، فيتجسد الماضي في يافا، والحاضر في الخراب والاقتلاع، والمستقبل في المشروع العلمي المشوَّه، بينما الحلم يمثل محاولة متخيَّلة للخلاص. ويتيح هذا التلاحم العضوي للراوي صياغة خطاب سردي رمزي عن مأساة الإنسان الفلسطيني وهشاشة وجوده أمام الموت والدمار.
رمزية الشخصيات في رواية الناجي الوحيد:
تحمل شخصيات رواية «الناجي الوحيد» دلالات رمزية واسعة تتجاوز دورها الحكائي، لتجسّد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي ومفاهيم الهوية والنجاة.
نفيسة : يحمل اسمها، نفيسة، دلالات ثراء وقيمة روحية، تتناغم مع خلفيتها الاجتماعية الرفيعة في يافا قبل النكبة، تمثّل صورةً مجازية للأرض الفلسطينية والذاكرة الجمعية التي تختزن التاريخ والمأساة. فاختيارها لتكون رحمًا للتجربة العلمية لم يكن اعتباطيًا، بل يكشف مفارقة رمزية دقيقة؛ إذ إن المختبر الذي بحث عن «رحمٍ مقدّس» وجد ضالته في رحم فلسطينية، فيتحول جسدها إلى رمز لاغتصاب التاريخ والهوية والجسد معًا.
إسحاق/باسم:
يمثل إسحاق محور تجربة “بيوستار” ممزقًا بين هويته الفلسطينية الأصلية وهويته اليهودية، ما يجسّد مأساة الاغتراب والعبث. ولادته العكسية من جسد نفيسة وتحوله من تسعيني إلى شاب تبرز الصراع بين الطبيعي والمصطنع، وبين المصير المفروض والإرادة الفردية. اسمه يربطه بالموروث التوراتيوالتاريخي، لكنه يؤكد أن الهوية تتشكّل بالتجربة والمعاناة لا بالجينات أو الاسم وحده.
الطبيب موشي: يمثل العقل العلمي البارد، الذي يحوّل جسد نفيسة إلى موقع للهيمنة، جامعًا بين العلم والأمل في التقارب، لكنه في الوقت نفسه يبرز الاستغلال الرمزي والديني: «اسمه مرتبط بالنبي موسى، رمز الخلاص، لكنه يتحول إلى منفذ لتجربة عبثية على جسد فلسطيني».
الطبيب ديفيد: يمثل استمرار التجربة بعد وفاة موشي، ويحمل اسمه دلالات رمزية مستمدة من النبي داود، رمز التأسيس السياسي والملك في الموروث التوراتي، استمراره في تنفيذ التجربة يعكس استمرارية الهيمنة الصهيونية عبر تحويل الرموز الدينية إلى أدوات تبرير للتجارب العلمية ذات الطابع الاستعماري.
سارة هارون: تمثل الرحمة والضمير الإنساني، فهي تحتضن أبناء الشهداء وتربّيهم على القيم والصمود رغم الفقد والخراب، وتصبح رمزًا للمقاومة الأخلاقية التي تؤكد أن التفوق الإنساني يتجاوز الوراثة والتجارب العلمية. موقفها الداعم للتجربة العلمية بحذر يعكس توازنها بين الأمل بالمستقبل والتربية الأخلاقية، والتمسك بالرحمة والإنسانية كقوة للنجاة، قائلة: «الحرب والمتطرفون أفشلوا التجربة، لعلها تنجح في زمن التسامح والسلام» (ص. 393).
سارة أوشيسكين: تمثل العنصرية وفشل التعايش، حيث تقولسارة في لحظة ميلادها: «يجب أن تتركوا البلاد فورًا، هذه الدولة لليهود فقط… أمك عربية أصيلة» (ص. 166)، مما يبرز استحالة المصالحة في ظل المشروع الاستيطاني، ورثت العنصرية من أبويها، وأصبحت جزءًا من مشروع علمي يفرض السيطرة على الفلسطيني، زواجها من إسحاق لا يرتكز على روابط عاطفية أو إنسانية، بل على مصالح المشروع العلمي التجريبي.والاسم(أوشيسكين) يُحيل إلى شخصية منحِم مندل أوشيسكين، أحد القيادات البارزة في الحركة الصهيونية العالمية، ومن أوائل دعاة الاستيطان اليهودي في فلسطين. ويبدو أن الكاتب لم يختر الاسم عبثًا؛ فـ«أوشيسكين» في الناجي الوحيد يحمل إرثًا أيديولوجيًا صهيونيًا يرمز إلى مشروع السيطرة والاصطفاء القومي.
محمد عمران: الناجي الوحيد، وهو رمز لكل فلسطيني فقد أهله، ومع ذلك ينهض من بين الرماد متمسّكًا بوطنه، مجسّدًا إرادة الحياة والصمود، ويُظهر أن النجاة الحقيقية تقوم على الانتماء للأرض والوعي الوطني، متفوقًا بذلك على حدود التجارب العلمية وسلالة «بيوستار» المصطنعة.، يضعه الكاتب في مقارنة غير مباشرة مع سلالة بيوستار 1، حيث يتفوق عليها. ويمثل التلاقي الممكن بين الجذر الفلسطيني والمشروع البيولوجي.
الأطفال والتوائم : تجسد هشاشة التجارب وعبثية التحكم بالهوية عبر التكنولوجيا، وبهذا تتحول الشخصيات كلها إلى رموز متعددة الطبقات: نفيسة الأرض والذاكرة والجسد الفلسطيني، إسحاق/باسم الصراع الداخلي بين الانتماءات، موشي وديفيد الهيمنة العلمية والسياسية، وسارة هارون القيم الإنسانية والتربية، لتنسج رؤية متكاملة عن مأساة الفلسطيني.
الغربة والاغتراب والهوية في الرواية:
تشكل رواية الناجي الوحيد فضاءً سرديًا تتقاطع فيه جدليات الهوية والصراع والذاكرة، في إطار رؤية فكرية وجودية تنفتح على مفهومي الغربة والاغتراب باعتبارهما من أبرز ملامح التجربة الإنسانية في سياق الاحتلال والاقتلاع والعبث العلمي، ومن خلال هذه المقاربة، يتضح أنّ الناجي الوحيد تقدم معالجة سردية معمقة لهذه الثنائية، عبر مستويات متعددة من الغربة والاغتراب:
1-الاغتراب الوجودي: يظهر في التجربة العلمية التي اختارت رحمًا فلسطينيًا عجوزًا لإنتاج “إنسان سامي” في حين يقول موشي: «أعطينا الروبوت معلومات وافية… وإذا به يختار امرأة فلسطينية بهذا العمر» (ص. 21)، هذا المشهد يعكس مأزق الغربة الوجودية الناتجة عن التناقض بين الإرادة الإنسانية والتخطيط العلمي؛ فالإنسان الجديد الذي أُريد له أن يكون رمزًا للعلم والسيطرة والاصطفاء، يُعبّر بفعله الحر عن نزعة طبيعية تقاوم الإخضاع. ومن هنا، يظهر الاغتراب الوجودي كصراع بين الحرية والهيمنة.
2–الاغتراب المعرفي: يتمثل في انفصال الإنسان عن الذاكرة الجماعية والمعرفة الإنسانية الأصيلة « كل مسن هو مكتبة ناطقة وبموته تندثر المكتبة بكل كنوزها، تخيّل لو كان لدينا إنسان في العشرين ولديه حكمة نفيسة وعلمها، هذا هو أحد دوافع التجربة…» (ص. 27)، وهذا يُظهر رغبة العلم في تجاوز الإنسان الطبيعي، وإعادة تشكيل المعرفة بمعزل عن التجربة الحياتية، غير أنّ هذا الطموح يقود إلى اغتراب الإنسان عن ذاته، إذ يصبح وسيلة لإنتاج معرفة مشوّهة، تفتقر إلى الحكمة المتولدة من المعاناة والخبرة.
3-الاغتراب القيمي والديني: وهذا يكشف صراعًا بين المعرفة والدين والتاريخ، يقول موشي: « كيف يمكن تلقينه ديننا وتاريخنا بعد أن تلوثت معارفه بمعارف معادية ورثها عن نفيسة؟” (ص. 127–128)، وهكذا تتحول التربية والمعرفة إلى أدوات استلاب، في مقابل الوعي الطبيعي المتجذر في الذاكرة الفلسطينية (نفيسة رمزًا ).
4-الهوية بين الاغتراب والانتماء:
تكشف الرواية أنّ الاغتراب يمتد إلى الهوية، إذ تعاني الشخصيات من تمزق بين الانتماء المفروض والانتماء الأصيل. فإسحاق يعيش صراعًا داخليًا بين انتمائه الوراثي وميله الإنساني، ومحمد عمران يجسد التلاقي الممكن بين العلم والرحمة، بينما تمثل “بيوستار 1″ حالة اغتراب مطلق، كائنًا بلا ذاكرة ولا روح، ونتاجًا لفقدان التوازن بين العلم والأخلاق، ومن خلال هذه الثنائيات، ترسم الرواية صورة الإنسان الفلسطيني كرمز للبقاء والهوية الطبيعية في مواجهة الإنسان المصطنع الذي أنتجته المختبرات.
5-الغربة النفسية: تنهض رواية الناجي الوحيد على إبراز ثيمةالاغتراب النفسي الناتج عن الفقد الجماعي واقتلاع الجذور، وهو أحد المظاهر الأعمق للغربة في التجربة الفلسطينية، كما يقول محمد عمران: « أنا انقطعت الشجرة عني مش أنا اللي انقطعت عنها..، يمكن لما تخلص الحرب أتواصل مع أهلي في المثلث وأرجع لشجرتي» (ص. 109) ، و«ماتوا، كلهم ماتوا» (ص. 111)،
هذه العبارة الموجزة، تشكل نموذجًا للغة الصمت والاختزال في التعبير عن الألم. وتكشف لغة الجسد المصاحبة — فرك القدمين، إطراق الرأس — عن صدمة نفسية عميقة لا تقوى اللغة على احتوائها.
6-الغربة الناتجة عن العنصرية واختلاف السرديات:
كما تُسلّط الرواية الضوء على الغربة الناتجة عن العنصرية وتضارب السرديات، يقول موشي في بيت نفيسة في غزة: « يجب قتل كل أهل غزة. حيوانات بشرية، يجب القضاء عليها، ليلجأ الخائف منهم إلى مصر » (ص. 35) وتتجسد العنصرية بشكل مباشر في شخصية سارة أوشيسكين، التي ترث الكراهية منذ ولادتها:«يجب أن تتركوا البلاد فورًا… هذه الدولة لليهود فقط» (ص. 166).
ويكشف النص عن استحالة التفاهم بين طرفين يعيشان داخل سرديتين مغلقتين: الفلسطيني يعيش حاضر المجازر اليومية، بينما الإسرائيلي محجوب خلف أسطورة “المحرقة”.
7-غربة التاريخ والهوية:
وتكشف الغربة التاريخية في الرواية عن حلقة عبثية من الشتات والتهجير حيث تسلط الضوء على الشتات اليهودي في أوروبا ومحاولات التغلب على الغربة التاريخية، التي تتحول إلى فرض غربة جديدة على الفلسطينيين، في حلقة عبثية من الصراع. ويبرز ذلك في قول حسن: «يجب أن يخرجوا من بلادنا جميعًا. أين نذهب؟ ارجعوا إلى أوروبا… كل تجاربنا عبر ألفي عام للعيش في مجتمعات حول العالم قد باءت بالفشل… اخترنا طريقًا ثالثًا: دولة اليهود. جئنا إليها تحت رياح الدول الاستعمارية» (ص. 40) إن منطق “الخيار الثالث” يحول الغربة التاريخية لليهود في أوروبا إلى غربة مضاعفة للفلسطينيين، ويكشف عبثية التاريخ، إذ تتحوّل محاولات حل مأساة طرف على حساب آخر، ويعكس إسحاق انقسام الهوية بين الانتماء للفلسطينيين والإسرائيليين: « أصبح يشعر أنه مواطن إسرائيلي عليه تبعات ومسؤوليات نحو وطنه وشعبه، وكذلك شعب خؤولته من رحم نقيسه… وتوجه إلى مظاهرة ذوي الأسرى» (ص. 292–293).
وقد تُختبر الهوية في أقصى درجات الصراع البشري والمكاني. حيث تتمسك الشخصيات بالأرض «والله نموت كلنا ولا نطلع من هالبلد، بكفي مرة واحدة طلعنا من يافا » (ص. 37) بهذا تتجلى الهوية في الرواية في أبعاد متعددة: جماعية (الوعي الوطني والذاكرة التاريخية) وفردية (المقاومة الشخصية للبقاء).
الصراع في رواية الناجي الوحيد:
يُشكّل الصراع البنية المحورية في رواية الناجي الوحيد، إذ يحرك الأحداث ويكشف أبعاد التجربة الإنسانية في ظل التحديات العلمية والسياسية والاجتماعية. وتتداخل فيه المستويات الداخلية والخارجية، النفسية والاجتماعية، ليعكس أثر القوى التاريخية والسياسية في تشكيل وعي الفرد وانتمائه. ومن خلال هذا التوتر بين الحرية والهيمنة تتجلّى رؤية الكاتب للإنسان الفلسطيني والعالمي معًا، وهو يواجه قوى تتجاوز قدرته الفردية.
1– الصراع الداخلي:
يمثل الطاقة المحركة للأحداث ويكشف عن أبعاد التجربة الإنسانية في ظل التهديدات العلمية والسياسية والاجتماعية،ويظهر واضحاً في مأزق إسحاق الذي يعيش مأزقًا نفسيًا بين جذوره الفلسطينية من طرف أمه نفيسة وأصله اليهودي من طرف أبيه: كل ما يراه يثير في نفسه موقفًا أو موقفين متناقضين، فما يحبه كعربي يكرهه كيهودي، والعكس صحيح… يشعر بحاجة للأشياء المحايدة» (ص. 148) إن البحث عن “الأشياء المحايدة” يكشف عن رغبة في الهروب من ثنائية الانتماء، وعن محاولة بائسة لتشييد منطقة آمنة وسط الانقسام، كرمز للرغبة في التوازن النفسي، كما يظهر الصراع في شخصية الطبيب موشي وقلقهمن ميل إسحاق للفلسطينيين خشية إخفاق التجربة العلمية والسياسية: «انتماؤه الجارف لأمه نفيسة سوف يشوش على انتمائه لشعب إسرائيل» (ص. 57). ويجسد الصراع الداخلي صراع الهوية بين الحرية والهيمنة، والفطرة والمشروع العلمي أو السياسي، ويعكس الاغتراب النفسي والوجداني للشخصيات في مواجهة القوى التاريخية والاجتماعية، مؤكّدًا أن مأساة الفرد مرتبطة بصراع أعمق بين الانتماء والذات.
2- الصراع الخارجي:
ويتجلى الصراع الخارجي في رواية «الناجي الوحيد» في مواجهة الشخصيات لقوى التاريخ والسياسة والتكنولوجيا، حيث تُفرض عليهم أدوار وسلوكيات محددة، ويُقوّض هذا حرية الفرد ويحوّل العلاقات الإنسانية إلى تجارب خاضعة لمنطق القوة والسيطرة، يقول موشي محذّرًا إسحاق: «لا تحاول التعرّف أكثر على ابنة هارون… أنت إنسان أعلى، سامي، تجلب الماء والحطب وتشعل النار لتسخين الماء! وتقف على طابور التكية، بدل ما انتظرناه منك من إضافات في عالم الطب والاجتماع» (ص.149)يُبرز هذا المشهد سلطة المؤسسة العلمية والسياسية على الأفراد، حيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره وسيلة لإنجاز مشروع أيديولوجي أو علمي، وهذا يعكس هيمنة خارجية تُفرغ الفرد من حريته، وتحوّل العلاقات الإنسانية إلى تجارب مبرمجة تخضع لمنطق القوة والتفوق.
ويمتدّ الصراع الخارجي ليتقاطع مع المواجهة التاريخية بين الهويتين الصهيونية والفلسطينية. فالعلاقة بين إسحاق وسارة أوشيسكين تتجاوز حدود العاطفة لتغدو مواجهة رمزية بين مشروعين حضاريين متنافرين، ففي لقئهما الأول أمام فريق التجربة تقول سارة: «كيف تضعونني في هذا الموقف ولم تخبروني أني ذاهبة للزواج من شخص من الأغيار؟! أشعر منذ وُلدت أن رسالتي هي أن أطرد كل العرب من البلاد، فكيف تريدونني أن أجاملهم وأشاركهم في إنتاج سلالة المفترض أن تكون يهودية خالصة؟» (ص.112)، فيردّ عليها موشي مبرّرًا:«إنهليس فلسطينيًا تمامًا كما إنك لست فرسًا؛ حملت به عربية في رحمها كما حملت بك فرس، وهذا لا يغيّر من النسب شيئًا. أنتما يهوديان خالصان، وستنجبان سلالة متميزة تسود العالم، وتقدّمان ما عجزت البشرية عن تحقيقه في تاريخها الطويل…» (ص.112)تكشف هذه المحاورة عن عمق البنية الأيديولوجية التي تحكم الشخصيات، حيث تتحوّل العلاقة الإنسانية إلى معركة رمزية حول النقاء العرقي والسيادة على الأرض. فرفض سارة الزواج من إسحاق ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل هو تمثيل لرفض الآخر المختلف، وتجسيد لجوهر المشروع الصهيوني القائم على الإقصاء والتطهير العرقي.
وهكذا يظهر الصراع بوصفه محورًا مركزيًا يربط بين الداخليوالخارجي، الفرد والمجتمع، الإنسان والتاريخ، فالرواية لا تكتفي برصد الوقائع أو توثيق المآسي، بل تنفذ إلى أعماق الوعي الإنساني لتكشف أثر الصراع على الهوية والكرامة والحرية.
اللغة وتقنيات السرد في رواية الناجي الوحيد:
تأتي رواية «الناجي الوحيد» في سياق أدبي فلسطيني معقد، حيث تتقاطع السردية الفردية مع أسئلة الغربة والهوية والخلاص بعد الكارثة، وتستخدم الرواية لغة متعددة المستويات (فصحى، عامية، عبرية، إنجليزية) وأساليب سردية متنوعة مثل الحوار الخارجي والداخلي والاسترجاع والوصف التفصيلي، لتعكس تعدد الهويات والفضاء النفسي والسياسي للشخصيات.
الحوار الخارجي:
يبرز الحوار الخارجي صراع الإنسان مع السلطة والتكنولوجيا، كما في مواجهة نفيسة وموشي، حيث تتحول الأمومة إلى وظيفة بيولوجية بحتة «عاد حوار الطرشان؛ هي تحتج على عدم أخذ موافقتها على التجربة وتحمله المسؤولية عن معاناتها في فترة الحمل الطويلة، حيث تتحدث عن معاناتها ومخاطرتها بصحتها المتآكلة في مثل هذه السن، وهو يتحدث عن الفكرة العبقرية التي قادت لإنتاج المولود بهذه الصفات الفريدة» (ص48)، تتحوّل اللغة في هذا المشهد إلى أداة صراع رمزي بين خطابين متناقضين:خطاب نفيسة الإنساني القائم على التجربة والمعاناة، وخطاب موشي العلمي المجرّد من القيم الأخلاقية، الذي يُفرغ الأمومة من معناها العاطفي ويحوّلها إلى وظيفة بيولوجية بحتة. واستخدام الكاتب لعبارة «حوار الطرشان» يختصر مأزق التواصل بينهما.
وقد تستثمر الرواية أيضًا الحوار الجماعي بوصفه وسيلة لتمثيل الذاكرة الجماعية الفلسطينية، ومن الأمثلة البارزة، الحوار الذي يجمع أحفاد نفيسة: «احكوا يا سيدي كيف طردوكم من البلاد سنة الثمانية وأربعين. قال حسن: لو كنا متعلمين لوجدنا طريقة غير الهجرة. قال سمير: لو كان عندنا وحدة وطنية لما استطاعوا طردنا.. قال ثالث: سبعون عاماً ونحن نعاني من نفس المشكلات التي أدت للنكبة، أما آن الأوان أن نعتبر؟!… الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام هو الحل» (ص26) يتحوّل هذا الحوار إلى فضاء سردي ديناميكي يمزج بين التوثيق التاريخي والدراما الواقعية التي تعكس التفاوت في الرؤى والمواقف تجاه النكبة وما تلاها من أحداث
الحوار الداخلي:
تعتمد رواية «الناجي الوحيد» على الحوار الداخلي لتصوير صراع الذات، حيث يكشف تيار الوعي عن تشتت الشخصية بين العقل والعاطفة، والمصلحة الفردية والجماعية، كما يظهر في تأملات إسحاق حول حبه لسارة وهروبه من المعهد. يقول في لحظة تأمل ذاتي: “ متى أنسجم مع حاضري وأفكر في مستقبلي؟ إنني بدأت، أليس عشقي لسارة هارون هو تفكير في المستقبل؟ أليس هروبي من المعهد هو رفض لكل من الماضي والحاضر وهروب منهما نحو المستقبل؟.. لو كنت إنسانًا مكتمل الصفات لكافحت من أجل إقناع سارة أوشسكين وأبيها بالموافقة على خطبتي،..أو لو كنت ذلك النوع المختلف من البشر لسعيت لتحقيق مصلحتي” (ص229) هذا المونولوج الطويل يعكس اضطراب الوعي الداخلي، إذ تتقاطع فيه التساؤلات الوجودية والرغبات العاطفية، فيكشف عن صراع داخلي عميق يعكس تشتت الذات وحالة التمزق بين العاطفة والمصلحة، كما تُظهر الجمل الطويلة والمترابطة الضغط النفسي الداخلي واللا استقرار، ويبرز تعلقه بالمستقبل بوصفه أملًا للخلاص.
4-تقنية الاسترجاع الزمني (Flashback):
وتبرز تقنية الاسترجاع في الرواية كأداة فنية تكشف عن الصراع النفسي والجماعي المرتبط بالذاكرة الفلسطينية:” ينهي أبو جهاد حديثه بالتحسر على التضحيات وضياع البلاد، وتنهي نفيسة الحديث بتذكر بياراتهم الشاسعة، والعدد الكبير من العمال..إيه ضاعت..ضاعت البيارة” (ص.10)ي تكثّف الحنين إلى الأرض والفقد الوجودي الناتج عن التهجير، إذ يعيدنا الكاتب إلى لحظة الانكسار الأولى بعد النكبة. ويُظهر التكرار في العبارة (ضاعت..ضاعت البيارة) انكسار الوعي الجماعي واستمرارية الجرح، كما يحاكي طريقة تفكير الشخصيات في اللحظة ذاتها، ويبرز حدة فقدانهم وانكسارهم النفسي، وبهذا يغدو الاسترجاع ذاكرة مقاومة تحفظ الحكاية الفلسطينية وتقاوم المحو.
أسلوب الكاتب:
يتميز أسلوب الكاتب محمد الشيخ علي بتنوّعه وغِناه، إذ يجمع بين الواقعي والرمزي، ويزاوج بين الحسّ الشعري والدقة السردية، لتتحوّل اللغة إلى عنصر فاعل في بناء المعنى. تتنوع جمله بين الطول في المقاطع التأمليةـ، والقِصر في لحظات التوتر، مما يعكس البعد النفسي للشخصيات، ويمنح النص إيقاعًا داخليًا نابضًا، كما يستخدم مستويات لغوية متعددة تجمع الفصحى والعامية والعبرية والإنجليزية، مما بعكس التداخل الثقافي والهويات المتعددة، وتغدو اللغة عنده رمزية وإيحائية، تمتزج فيها الجماليات البصرية بالمشاعر الوجودية، فيما يمنح التكرار المعجمي المرتبط بالحرب والنزوح النصّ بعدًا توثيقيًا ومقاومًا للنسيان.
التكنولوجيا مقابل التربية:
يُبرز الكاتب فشل مشروع “بيوستار 1″ الذي سعى لإنتاج سلالة متميزة عبر النقاء الجيني، في مقابل انتصار التربية الإنسانية. يقول أوشسكين والد سارة: “يجب عدم السماح بالتزواج إلا إذا تأكدنا من نقاء جينات إسحاق..وكذلك نقاء أفكاره ووجدانه من التعاطف مع الفلسطينيين” (ص 204–205)،لتكشف الرواية عبث فكرة الخلاص عبر الجينات. في المقابل، تُجسّد سارة هارون الإيمان بالتربية الأصيلة، تقول لإسحاق بعد أربعين عاما: “لقد أنفقتم أموالاً طائلة لتشبعوا رغبتكم بالتميز.. ها هم محمد وجنى وعبد الرحمن من جهابذة العالم، وقد أنجبت مثلهم حسين، ورزان، وزينب..كلهم مثل سلالتكم وأكثر” (ص 391–392). وهكذا ينتصر الكاتب لقيم التربية والإيمان والبيئة الأخلاقية بوصفها السبيل الحقيقي للتفوق الإنساني، مؤكدًا أن التفوق لا يُصنع بالمختبر، بل بالخبرة الإنسانية والتنشئة الواعية، والخلاص الحقيقي يرتبط بالأيمان والفهم الأخلاقي للحياة وليس بالتحكم العلمي.
الخاتمة:
خلصت الدراسة إلى أن رواية «الناجي الوحيد» تقدم مقاربةرمزية لمعاناة الفلسطيني في زمن الحرب والتكنولوجيا، حيث تتحول الأمكنة والأزمنة إلى ذاكرة وجروح مفتوحة، والشخصيات إلى نماذج للصراع بين الإرادة الإنسانية والقيم الأخلاقية والانبهار بالتقدم العلمي، واختيار الكاتب لأسماء شخصيات الرواية لم يكن اعتباطياً حيث ارتبطت برموز دينية أو تراثية مقصودة.
وتكشف الرواية، عبر تقنيات السرد المختلفة، عن اغتراب الذات وتذبذب الهوية خاصة عند إسحاق، وتبرز عبثية الخلاص عبر أساليب التكنولوجيا مقابل قوة التربية والوعي الأخلاقي. كما تعكس الرموز والتفاصيل السردية مأساة الإنسان المعاصر في مواجهة التحولات العلمية والسياسية. وفي النهاية، تؤكد الرواية أن النجاة الحقيقية ترتبط بالإيمان والتربية والأخلاق، لا بالهيمنة العلمية أو التقنية، وتقدّم دعوة رمزية للتعايش السلمي وإعادة بناء الهوية في زمن الضياع.



