المصائف والجولات.. هل آن أوان تحويل المنظمة العريقة إلى شريك وطني في حماية الطفولة؟
بقلم الإعلامي التونسي المعز بن رجب


تونس – عندما يكتب رئيس المنظمة الوطنية للطفولة التونسية «المصائف والجولات» حافظ السليماني أن دور المنظمات الوطنية مهم جدًا من أجل محاربة الظواهر التي تهدد الناشئة، فإن المسألة تتجاوز حدود تدوينة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتطرح سؤالًا أوسع: هل حان الوقت لإعادة تعريف دور المنظمات الوطنية العريقة، وتحويل خبرتها المتراكمة إلى جزء من منظومة الوقاية الوطنية الموجهة للأطفال والشباب؟
السؤال يكتسب أهمية خاصة في تونس اليوم، في ظل تعدد الملفات التي أصبحت تضغط على المدرسة والأسرة والمجتمع: العنف المدرسي، التنمر، المخدرات، السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، الإدمان الرقمي، ومخاطر الفضاء الإلكتروني، إلى جانب الحاجة إلى توفير فضاءات آمنة للأطفال والشباب لاستثمار أوقات الفراغ وتنمية قدراتهم.
أرقام تنبّه إلى حجم التحول
لم يعد الحديث عن حماية الطفل من مخاطر البيئة الرقمية مجرد تخوف نظري.
فالتقرير الوطني حول وضع الطفولة في تونس لسنة 2024، الذي عرضت نتائجه وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في فبراير 2026، أظهر أن 75.9 بالمائة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة يستخدمون الإنترنت يوميًا، بمعدل أربع ساعات يوميًا خلال أيام الدراسة، يرتفع إلى ست ساعات خلال العطل ونهاية الأسبوع.
ووصفت الوزارة السلوكيات المحفوفة بالمخاطر في الفضاء السيبرني بأنها تحد استراتيجي، داعية إلى تعزيز المناعة والوعي الرقمي لدى الأطفال والأسر، ومؤكدة أن حماية الطفولة مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والجمعيات والإعلام.
وفي أغسطس 2026، حذرت اليونيسف في تونس بدورها من مخاطر يتعرض لها الأطفال في البيئة الرقمية، من بينها التنمر الإلكتروني، والمحتويات العنيفة أو الكراهية، والاستغلال، مشددة على أن حماية الطفل تحتاج إلى التربية الرقمية ومرافقة الأولياء وتكوين المدرسين وتعزيز خدمات حماية الطفولة.
أما في الوسط المدرسي، فقد كشفت دراسة أنجزها مكتب اليونيسف في تونس لفائدة وزارة التربية أن 28.4 بالمائة من التلاميذ المتمدرسين تعرضوا للعنف الجسدي مرة واحدة على الأقل، وفق النتائج التي أعلنت في فبراير 2026.
ولم تتوقف التحركات الرسمية عند التشخيص؛ فقد أعلنت وزارة التربية في سبتمبر 2026 عن ورشة وطنية لإعداد برنامج تنفيذي مشترك لمجابهة الظواهر المستجدة والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر في الوسط المدرسي.
وفي ملف المخدرات، شرعت وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن في سبتمبر 2026 في تنفيذ برنامج وطني اتصالي للوقاية من مخاطر المخدرات يستهدف الأطفال واليافعين والأسر، كما نظمت في عدد من الجهات قوافل صحية ونفسية تعتمد الحوار والإنصات والأنشطة التفاعلية والتوعية المبكرة.
بمعنى آخر، الدولة نفسها تتجه نحو مقاربة متعددة الأطراف، لا تقتصر على المدرسة أو الأمن أو الأسرة.

وهنا بالضبط يمكن أن يبدأ الدور الجديد للمصائف والجولات.
منظمة عمرها عقود… وخبرة يمكن استثمارها
المنظمة الوطنية للطفولة التونسية «المصائف والجولات» ليست وليدة السنوات الأخيرة.
وتظهر وثائق وزارة الشباب والرياضة أنها كانت محل اهتمام رسمي منذ سنوات، باعتبار نشاطها الموجه إلى الناشئة وتأطيرها.
وفي 23 نوفمبر 2021، عقدت وزارة الشباب والرياضة جلسة عمل مع المكتب التنفيذي للمنظمة برئاسة حافظ السليماني، خُصصت لبحث وضعيتها وإشكالياتها وسبل دعم نشاطها وبرامجها المستقبلية.
وتم خلال الاجتماع الاتفاق على تحيين اتفاقية الشراكة الإطارية بين المنظمة والوزارة، ودراسة سبل دعم استمراريتها، وإعداد برامج عمل مشتركة، إضافة إلى إعادة تفعيل مشروع «مدرسة الصعود» الهادف إلى تكوين اليافعين وتأطيرهم في مجالات الحياة المختلفة.
هذه المعطيات مهمة لأنها تؤكد أن فكرة الشراكة بين الدولة والمصائف والجولات ليست جديدة، وإنما السؤال المطروح اليوم هو: كيف يمكن تطويرها لتستجيب لتحديات 2026 وما بعدها؟
من المصيف الترفيهي إلى مدرسة للحياة
ربما تكون إحدى أهم الأفكار التي يمكن البناء عليها هي إعادة تعريف مفهوم «المصيف».
فالمصيف في مفهومه الحديث يمكن ألا يكون مجرد إقامة للأطفال خلال العطلة الصيفية، بل فضاءً تربويًا متكاملًا.
فضاءً يتعلم فيه الطفل كيف يعمل ضمن فريق، وكيف يحترم الآخر، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف يحافظ على البيئة، وكيف يمارس الرياضة، وكيف يكتشف موهبته، وكيف يستخدم التكنولوجيا بطريقة آمنة.
ويمكن أن يتحول إلى فضاء للتوعية بمخاطر المخدرات والتدخين والعنف والتنمر، وإلى مدرسة مصغرة للمواطنة والعمل التطوعي والقيادة.
كما يمكن أن يصبح فضاءً لتعليم الأطفال والشباب السلامة الرقمية، لا عبر تخويفهم من التكنولوجيا، وإنما بتعليمهم كيفية التعامل معها بصورة آمنة ومسؤولة.
وهذا التصور لا يتعارض مع الاتجاهات الرسمية الحالية؛ فوزارة الأسرة تؤكد أهمية الأنشطة التربوية والاجتماعية والترفيهية، بينما تشدد اليونيسف على ضرورة الجمع بين الحماية والتربية الرقمية ومرافقة الأسرة.
المدرسة وحدها لا تستطيع
المدرسة تؤدي دورًا أساسيًا، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة كل ما يحدث داخل المجتمع.
فالطفل يعيش في المدرسة، وفي الأسرة، وفي الحي، وفي الملعب، وفي الشارع، وعلى الهاتف، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي.
ولهذا فإن الوقاية الفعالة تحتاج إلى شبكة متكاملة من المؤسسات.
واللافت أن الحكومة نفسها اتجهت خلال التحضيرات للعودة المدرسية 2026-2027 إلى مقاربة تشاركية شملت التربية والصحة والداخلية والشؤون الاجتماعية والأسرة وتكنولوجيات الاتصال وغيرها، مع التأكيد على دعم الأنشطة الثقافية والشبابية والرياضية، والصحة المدرسية، والإحاطة النفسية، والوقاية من العنف والظواهر المستجدة.
فلماذا لا تكون «المصائف والجولات» إحدى حلقات هذه الشبكة؟
إلى من يجب أن تتوجه المنظمة؟
إذا كانت تدوينة حافظ السليماني تمثل دعوة إلى توسيع دور المنظمة، فإن الخطوة التالية يمكن أن تكون عملية وواضحة:
أولًا – وزارة الشباب والرياضة
وهي الشريك الطبيعي للمنظمة، ويمكن معها إعادة تحيين اتفاقية الشراكة السابقة، ووضع برنامج وطني سنوي للأنشطة الشبابية والوقائية، وإعادة إحياء مشروع «مدرسة الصعود» بصيغة جديدة تستجيب لحاجيات الشباب اليوم.
ثانيًا – وزارة التربية
يمكن فتح شراكة حول الحياة المدرسية، والوقاية من العنف والتنمر والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وتنظيم ورشات خارج الزمن المدرسي، وتوفير أنشطة ثقافية ورياضية وتربوية للتلاميذ.
وهذا الملف يتقاطع مباشرة مع البرنامج التنفيذي الذي تعمل عليه الوزارة حاليًا لمواجهة الظواهر المستجدة في الوسط المدرسي.
ثالثًا – وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن
وهي شريك أساسي في ملفات حماية الطفولة، والوقاية من المخدرات والعنف والتنمر والمخاطر الرقمية.
والوزارة نفسها تؤكد أن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الدولة والأسرة والمجتمع المدني والإعلام.
رابعًا – وزارة الصحة
لإدراج التثقيف الصحي، والصحة النفسية، والوقاية من الإدمان، والتوعية بالسلوكيات الصحية ضمن البرامج الشبابية والمصائف.
خامسًا – وزارة الشؤون الاجتماعية
خاصة في ما يتعلق بالأطفال والشباب المنتمين إلى العائلات محدودة الدخل والفئات الهشة، وضمان عدم تحول الوضع الاجتماعي إلى حاجز أمام الاستفادة من الأنشطة التربوية والترفيهية.
سادسًا – وزارة تكنولوجيات الاتصال
لتطوير برامج «الطفل الآمن رقميًا»، وتعليم الناشئة والأولياء مبادئ السلامة الرقمية، والتعامل مع التنمر الإلكتروني والاستغلال والمحتوى الضار.
وهذا المجال يتقاطع مباشرة مع خطة العمل الوطنية لحماية الأطفال في الفضاء الرقمي التي أشارت إليها وزارة الأسرة.
سابعًا – وزارة الثقافة ووزارة البيئة ووزارة السياحة
لأن الجولات والمخيمات يمكن أن تصبح وسيلة لتعريف الأطفال بتاريخ تونس وتراثها وثرواتها الطبيعية، وربط السياحة الداخلية بالتربية والثقافة والبيئة.
وماذا عن المخدرات؟
هنا يمكن أن تلعب المنظمة دورًا وقائيًا مهمًا، لكن ليس بديلًا عن المختصين أو المؤسسات الصحية والأمنية والاجتماعية.
دورها يمكن أن يكون في الوصول إلى الأطفال والشباب قبل وقوع المشكلة، عبر الرياضة والفن والمسرح والرحلات والعمل الجماعي والتطوع والحوار.
وهذه ليست فكرة نظرية فقط؛ فالقوافل الصحية والنفسية التي نظمتها وزارة الأسرة في سبتمبر 2026 اعتمدت بالفعل الألعاب الترفيهية، وحلقات الحوار، والعصف الذهني، والإنصات النفسي، والأنشطة الثقافية والرياضية باعتبارها أدوات للوقاية.
أي أن هناك بالفعل نموذجًا يمكن تطويره وتوسيعه.
والمخدرات ليست الملف الوحيد
الوقاية يجب ألا تتحول إلى حملة موسمية ضد المخدرات فقط.
هناك العنف المدرسي، والتنمر، والعنف الإلكتروني، والانقطاع المدرسي، والعزلة الاجتماعية، والإدمان الرقمي، وضعف استثمار أوقات الفراغ.
وفي فبراير 2026 أعلنت وزارة التربية عن إعداد خطة وطنية شاملة لتحصين المؤسسات التربوية من العنف، فيما أظهرت دراسة اليونيسف حجم التعرض للعنف الجسدي بين التلاميذ.
وهنا يمكن أن يكون للمصائف والجولات مجال مختلف للتدخل: الوقاية قبل الأزمة، وليس التدخل بعد وقوعها.
المقترح: «البرنامج الوطني للمصائف والجولات الآمنة»
لماذا لا تتحول دعوة حافظ السليماني إلى مبادرة وطنية واضحة تحمل عنوانًا من قبيل:
«البرنامج الوطني للمصائف والجولات الآمنة»؟
برنامج يمتد طوال السنة ولا ينتهي بانتهاء الصيف، ويقوم على خمسة محاور:
1. طفل آمن
التوعية بالعنف والتنمر والمخدرات والسلوكيات المحفوفة بالمخاطر.
2. طفل رقمي واعٍ
السلامة الرقمية، حماية المعطيات الشخصية، التنمر الإلكتروني، الاستخدام المتوازن للإنترنت والذكاء الاصطناعي.
3. طفل رياضي ومبدع
الرياضة والمسرح والموسيقى والفنون والروبوتيك والعلوم.
4. طفل مواطن
التطوع، البيئة، احترام القانون، العمل الجماعي، خدمة المجتمع.
5. طفل يستحق الفرصة
إتاحة الأنشطة للأطفال من مختلف الجهات والفئات الاجتماعية، مع اهتمام خاص بالفئات الهشة والمهددة بالانقطاع أو العزلة.
المطلوب ليس اجتماعًا آخر
ربما لا تحتاج تونس إلى اجتماع بروتوكولي جديد حول أهمية الطفولة.
ما تحتاجه هو خطة عمل قابلة للقياس.
يمكن مثلًا أن يتم اختيار عشرين مؤسسة تربوية أو فضاء شبابي في مرحلة أولى، في عشرين معتمدية، وتنظيم برنامج تجريبي لمدة سنة.
يقاس بعده عدد المستفيدين، ونوعية الأنشطة، ومشاركة الأسر، ومؤشرات الإقبال على الرياضة والثقافة والتطوع، ومدى استفادة الأطفال من برامج الوقاية والتوعية.
ثم توسع التجربة تدريجيًا.
هكذا تتحول المنظمة من متلقٍ للدعم إلى شريك في تنفيذ سياسة وقائية قابلة للتقييم.
حافظ السليماني يفتح الباب… فمن يدخل؟
تدوينة رئيس منظمة المصائف والجولات يمكن قراءتها إذن باعتبارها أكثر من مجرد موقف من ظاهرة اجتماعية.
إنها مناسبة لطرح سؤال على مؤسسات الدولة:
هل آن الأوان للاستفادة من الرصيد التاريخي والتنظيمي والخبرة الميدانية للمنظمات الوطنية في بناء سياسة جديدة لحماية الطفولة والشباب؟
فالدولة تملك الوزارات والمؤسسات والبرامج.
والمدرسة تملك دورها التربوي.
والأسرة تملك دورها الأساسي.
والأمن والصحة والشؤون الاجتماعية تملك اختصاصاتها.
لكن المجتمع المدني يملك شيئًا آخر: القدرة على الاقتراب من الطفل والشاب في فضاء غير رسمي، بلغة مختلفة، وبأنشطة قريبة من اهتماماته.
ومن هنا، فإن «المصائف والجولات» يمكن أن تكون واحدة من الأدوات التي تساعد على بناء هذا الجسر.
المسألة في النهاية ليست إنقاذ منظمة من صعوبات ظرفية، ولا منحها دورًا رمزيًا جديدًا.
المسألة هي: كيف نستثمر منظمة وطنية ذات تاريخ وخبرة في مواجهة تحديات جديدة لم تكن موجودة بالصورة نفسها عندما تأسست؟
وإذا كانت الدولة تقول اليوم إن حماية الطفل مسؤولية مشتركة، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو:
لماذا لا تجلس الدولة والمنظمات الوطنية العريقة إلى طاولة واحدة، ليس للحديث عن الماضي، وإنما لصناعة مستقبل أكثر أمانًا للأطفال والشباب؟



