الرئيسية

عندما تشتعل “إيڤيس” بنيران “التريند”: قراءة في العرض المسرحي “انسوا هيروسترات” بقلم: إلهام عفيفي

شاعر الأمة محمد ثابت

عندما تشتعل “إيڤيس” بنيران “التريند”: قراءة في العرض المسرحي “انسوا هيروسترات”
بقلم: إلهام عفيفي
بين نص كُتب في القرن العشرين عن حادثة وقعت قبل الميلاد بقرون، وبين واقع رقمي نعيشه اليوم في عام 2026، نجح فريق العرض من طلاب الفرقة الأولى بقسم المسرح والدراما بجامعة بني سويف على مسرح جامعة بني سويف الأهلية -في إطار العروض العملية لآخر العام- نجحوا في مد جسر درامي شديد الخطورة والأهمية من خلال عرضهم المسرحي “انسوا هيروسترات” للمؤلف الروسي جريجوري جرين.
لم يكن العرض مجرد استعراض لمهارات تمثيلية رائعة، بل كان بياناً فكرياً وفنياً ناضجاً يطرح السؤال الأزلي: هل يصنع المجرم جريمته وحده، أم أن المجتمع هو من يمهد له الطريق، بل ويمنحه الخلود؟
برزت براعة المخرج “أسامة جميل” -رغم نقص بعض التقنيات المسرحية- في:
١- اختيار النص واعداده بحيث لم يقف متفرجاً أمام النص الأصلي، بل طوعه ليكون مرآة للحاضر.
٢ـ التحريك والسينوغرافيا: نجح المخرج في استغلال خشبة المسرح بشكل ديناميكي، حيث تحولت حركة الممثلين من مجرد “دخول وخروج” إلى لوحات تعبيرية تجسد حصار البطل الشرير للمجتمع، وحصار المجتمع لضمير القاضي “كليون”.
٣ـ اختيار الممثلين (الكاستينج): وضع المخرج كل ممثل في مكانه الصحيح، مستغلاً مواهب فريقه ليتحول على المسرح إلى طاقة إبداعية باحتراف.
ركز العرض في تناوله الفكري على أن “هيروسترات” لم يكن ليصبح ظاهرة لولا “الآخرين”، من خلال الأداء المتقن للشخصيات المحيطة به (المرابي، الكاهنة، الحكام)، أظهر لنا العرض كيف تحول هذا الحارق من مهمش منبوذ في بداية المسرحية، إلى شيطان يغوي النخب فتتقاطر عليه.
المجتمع هنا ليس ضحية، بل هو شريك في الجريمة. التاجر (المرابي) يبحث عن الربح من وراء نشر مذكراته، والحاكم الذي يبحث عن مصلحة تهدئ الشارع، والجمهور يبحث عن الإثارة، وهنا تفوق الممثلون في تجسيد هذا التحول التدريجي؛ حيث رأينا كيف تآكلت صلابة المجتمع أمام بريق الجريمة وصاحبها.
أبدع الرائع المخضرم “محمد امين” في دور الملك تيسافرن وإتقان التحولات بين الشخصية المهزوزة التي يحركها حب زوجته الشابة والسياسي الذي يسعى مرغما لضمان استقرار الحكم وبين رغبته في أن يعيش حياته كصياد سمك، والموهوبة “نسمة سيد” الملكة الشابة التي تنشد الشهرة وتخليد اسمها في التاريخ ولا تتورع أن تسقط في الخيانة لتحقيق هذا الهدف، وبراعة التعبير عن الحيرة بين الملكة النبيلة والرغبة في الخلود باي ثمن.
والجوكر “شريف زكي” في دور هيروسترات والذي جعلنا في حيرة بين أن نكرهه لجرمه أو نتعاطف معه لما عاناه من مجتمع دفعه لارتكاب الجريمة.
والرصين “عمرو علي” في دور القاضي كليون والذي عبر ببراعة عن معاناة القاضي المحترم في مواجهة مكائد السياسة وجهل العامة.
والموهوب “احمد حمودة” الذي برع في دور جريجوري جرين المراقب الامين للأحداث.
والهادئ “ايمن ابو النجا” والذى قدم دور المرابي الجشع بخفة دم هادئة بلا تصنع.
والجميلة شيماء مجدي في دور الكاهنة فاكهة العرض، والرائع محمد عبد القادر والذي عبر ببراعة عن حارس السجن المحسوب على النظام وهو من زمرة الفقراء ليكون هو الضحية في النهاية.
واهم ما يبرزه هذا العرض هو ذكاء الإسقاط على واقعنا المعاصر، حيث لم يكن “هيروسترات” مجرد رجل يحمل مشعلاً ليحرق معبداً أثرياً، بل كان يمثل “صانع المحتوى” الساعي للتريند بأي ثمن، ففي زمننا هذا، نرى يومياً “هيروسترات” جديد على شاشات الهواتف؛ أشخاصاً يرتكبون الحماقات، ينتهكون الخصوصيات، ويحطمون القيم، لا لشيء إلا لكي “تُذكر أسماؤهم” وتزداد أرقام المشاهدات، لقد نجح العرض في إيصال هذه الرسالة المرعبة، نحن من نصنع هؤلاء عندما نمنحهم اهتمامنا وقراءاتنا وضغطات الإعجاب لدينا.
العبارة الشهيرة “انسوا هيروسترات” تحولت في العرض إلى مفارقة صارخة؛ فكلما صرخ القاضي كليون (الذي جسد دور الضمير المنهار) مطالباً بالنسيان، كلما زاد فضول المجتمع لمعرفة التفاصيل، تماماً كما تفعل “الخوارزميات” اليوم عندما ترفع من شأن المحتوى التافه أو الإجرامي لمجرد أنه يثير الجدل.
والخلاصة أن عرض فريق ” انسوا هيروسنرات” نجح في الانتقال بين الكوميديا السوداء والتراجيديا دون افتعال، في حالة مسرحية احترافية، نجح فيها الممثلون في تقديم درس قاسٍ وممتع مفاده “إذا أردتم أن تختفي الجريمة.. فلا تمنحوا المجرم “اللايك والشير”، حقا “انسوا هيروسترات”.

بقلم شاعرة النجوم إلهام عفيفي

——–_———–

عناية مكتب القاهرة مدير التحرير ومدير مكتب القاهرة شاعر الأمة محمد ثابت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى