مقالات

إبراهيم النقاش فنان حفرت أنامله على الخشب لغة الإنسانية وأبجدية الحب ليترك في كل لوحة نقشها

د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

بصمة خالدة من الجمال والإبداع وكان إبراهيم من أولئك الأشخاص الذين يملكون القدرة على تحويل قطعة صامتة من الخشب إلى حياة تنبض بالمعاني ورمزاً لثقافة تمثل هوية وطنية عريقة تمزج بين أصالة الفن العراقي وسمو الإحساس الإنساني وامتلك النقاش فلسفة عميقة في عمله الفني كان يواجه قطع الخشب كأنها أرواح حية يخاطبها برفق ويعقد معها حوارًا داخليًا كما لو كان يعقد ميثاقًا مقدسًا بين الفنان ووسيلة التعبير كان يقول مخاطبًا ألواحه الخشبية رفيقتي العزيزة تحمليني وأرجو منك السماح إن أصاب طرق أزميلي سطحك الصلب ذلك الطرق ليس عنفًا بل حبٌّ صادق وعميق منذ الصغر هو محاولة لإزالة ثقل الزمن وزوائده عنك لتظهري في أبهى صورة لتصبحين تحفة فنية تشهدين على قصتنا للأجيال القادمة ؛

ليس غريبًا أن تجد كلمات الحب هذه تتردد في أعماله المدهشة فالخشب بين يديه كان ينبعث فيه روح الحياة كأنما يعيد لأليافه زيتها ليغدو أكثر دفئًا وحنانًا وأي وصف أبلغ من كلمات الشاعر قحطان العاني عندما قال عنه “ألواح ميتة تحييها أناملكم عجباً لميتٍ يحيى إذا ضُربا” ففي ضربات أزميلي يد إبراهيم قوة إنسانية عذبة تخط تفاصيل الحكايات وتسرد روايات الحياة بحروف خالدة

إبراهيم لم يكن مجرد عامل يصنع بأنامله الجميلة منحوتات خلاقة ولم يقتصر على كونه حرفيًا يمزج العقل بالفن لصقلها بل كان فنانًا حقيقيًا يرتقي بفنه إلى مرتبة الرسالة الإنسانية كانت روحه تفيض بالحس الأنيق والإخلاص في كل عمل موظفًا وقتَه وجهده للإبداع الذي يعكس جمال الذات والبيئة ثقافيًا وفنيًا مقدمًا رسالة نبيلة مفادها أن الفن يمكن أن يكون لغة لكل المفاهيم السامية ؛

لقد أدرك إبراهيم أن محاربة قسوة العالم ومأساوية الظروف لا تكون إلا بروح عظيمة وفكر سامٍ يتسع للمحبة ويطرد الكراهية
كان يعرف تمام المعرفة أن “الكراهية داء والمحبة دواء” وأن المحبة هي السبيل الفذ للغوص في أعماق النفس الإنسانية وإنقاذها من ضياعها تمامًا كما اعتبر الحب مدرسة تُعلِّم لغة جديدة لا تشبه أي لغة أخرى في العالم لذا حملت كل لوحاته نبض صدقه وحرارة محبته فكان إبداعه يعكس انتصار كينونته الإنسانية على محدودية المادة ؛

إبراهيم النقاش لم يكن مجرد صديق لمن عرفوه عن قرب بل كان تجسيدًا للعطاء بطيف إنساني نادر وعلى الرغم من رحيله يبقى أريجه العابق ومجده الناصع متجسداً في منحوتاته التي ستظل تروي عن موهبته الفذة وشغفه الذي لم ينطفئ يومًا فقد رحل الجسد وبقي الفن رسالةً أبدية تشهد على الإنسان والنور الذي قدمه للعالم ؛

تحيةً لقلب إبراهيم الذي أحب بصدق وعمل بإخلاص تحية ليديه التي أحيت الجماد وجعلته مصدرًا للجمال والطاقة الإيجابية تحية لروحٍ لم تعرف للعدوانية طريقاً وجعلت من الفن رسالةً تخلد الحب وتجمع ما تفرق من القلوب رحم الله إبراهيم النقاش وطيب أثره الذي سيبقى شاهدًا على أن الإنسان هو معجزة الأرض حينما يرسم العالم بقلب يحب الجميع.

د. علي موسى الموسوي
متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى