
ليس كلُّ من صافحك صديقًا، ولا كلُّ من ابتسم لك يحمل لك وُدًّا. بيننا يعيش صنفٌ يتقن فنَّ الظهور والاختفاء، يختفي عامًا كاملًا، ثم يعود فجأة حين تضيق به السُّبل، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأن الودَّ آلةٌ تُدار بمفتاح الحاجة. هؤلاء هم “أصدقاء المصالح”؛ لا يزورونك إلا حين تمرض جيوبهم، ولا يتصلون إلا حين تتعثر طرقهم.
هل نحتاجهم؟
الحقيقة القاسية: لا.
نحتاج شبكة علاقاتٍ إنسانية، نعم، لكن لا نحتاج علاقاتٍ تُختزل في منفعةٍ عابرة. الصديق الحقّ يقف معك حين لا تملك ما تُعطي، ويظلّ قريبًا حين لا تملك ما يُؤخذ منك. أمّا صديق المصلحة، فحساباته دقيقة كميزان تاجر؛ إن رجحت كفّة الربح اقترب، وإن خفَّت تراجع.
كيف نعرف الغثّ من السمين؟
الأمر ليس لغزًا:
• يتذكّرك عند الحاجة فقط.
• يبالغ في المديح حين يريد شيئًا، ويختفي حين تنتهي الغاية.
• لا يشاركك أفراحك ولا أحزانك، لكنّه حاضرٌ في مواسم المكاسب.
• يبرّر غيابه الطويل بكلماتٍ فضفاضة، ثم يطلب خدمته بثقةٍ عجيبة.
إنه لا يرى فيك إنسانًا، بل فرصة.
لماذا يتواصلون وقت الحاجة؟
لأنهم يظنون العلاقات مخزنًا احتياطيًا، يُفتح عند الطوارئ.
لأنهم يربّون في داخلهم قناعةً مريضة: “الناس أدوات”.
ولأنهم اعتادوا أن يجدوا من يمنحهم العذر، ويغسل لهم غيابهم بكلمة: “ولا يهمك”.
هل نبقي بعض الودّ حفظًا لماء الوجه؟
هنا المأزق الأخلاقي.
نعم، نُبقي أدبًا، لكن لا نُبقي سذاجة.
نحفظ كرامتنا أولًا، ثم نحفظ الوجوه.
اللباقة لا تعني أن نُسلّم مفاتيح بيوتنا لمن لا يعرف عنواننا إلا عند الحاجة. الودّ إن لم يكن متبادلًا يصبح استنزافًا صامتًا.
كلمة أخيرة
أصدقاء المصالح لا يعيشون في الظل؛ يعيشون بيننا، يلبسون ثياب القرب، ويتقنون لغة العاطفة، لكنهم يفشلون في امتحان الاستمرارية.
الصداقة ليست زيارة موسمية، ولا رسالةً عند الضيق، ولا اتصالًا بعد سنة من الصمت.
الصداقة موقف.
ومن لا يقف معك إلا على أرض المنفعة، فدعه يقف بعيدًا… فالمسافة أحيانًا أصدق أشكال الاحترام



