مقالات

نور القرآن ؛ جوهر الروحانية وأساس العبادة في شهر رمضان

د. علي موسى الموسوي متخصص في شؤون الحوار التنويري الإنسانيّ

للقرآن الكريم مكانة عظيمة في حياة المسلمين، فهو كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله ليكون هدىً ورحمة للعالمين. ويزداد الاهتمام بهذا الكتاب العظيم خلال شهر رمضان المبارك، حيث يتزامن روح الشهر الفضيل مع عظمة القرآن وفضله. فشهر رمضان ليس مجرد وقتٍ للصوم والإحسان فقط، بل هو أيضاً شهر القرآن، وهو ما أكده الإمام الباقر (عليه السلام) بقوله: “لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان”. هذه الكلمات تختصر العلاقة الوثيقة بين هذا الشهر الفضيل والقرآن الكريم.

لقد أُنزل القرآن الكريم في ليلة مباركة من ليالي شهر رمضان، هي ليلة القدر التي قال الله عز وجل عنها: *”إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِي لَيْلَةٍۢ مُّبَٰرَكَةٍۢ” وقال أيضاً: *”إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ” ومن بين الفضائل العظيمة التي يتميز بها رمضان أن عقول القلوب تُفتح فيه لاستيعاب نور القرآن وهدايته. لهذا يُعرف بأنه موسم التعبد بالقرآن من قراءة وتدبر ودراسة لمعانيه، فيسعى المؤمنون إلى استغلال هذه الفرصة العظيمة للتقرب إلى الله واستلهام العِبر والوصايا الإلهية في حياتهم اليومية.

في حياة النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله كان القرآن يحتل مكانة مركزية، وكان يوصف بأن “كان خُلُقه القرآن”. هذا الوصف العميق يبيّن أن النبي الأعظم لم يكن مجرد مبلغ للوحي، بل كان تجسيداً حيّاً لتعاليم القرآن الكريم وأخلاقياته. لقد كانت حياته صلى الله عليه وآله قرآناً يمشي على الأرض؛ فهو من علّم الأمة كيف تجعل من القرآن دليلاً يضيء طريقها ويوجهها في مختلف مجالات الحياة.

من جهة أخرى، أهل البيت عليهم السلام كانوا دائماً مرشدين للمؤمنين نحو التمسك بالقرآن والعمل به. فقد دعوا إلى التزود من كنوزه واستمداد الحكمة والعلم منه. الإمام علي (عليه السلام) قال عن القرآن: “واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يُضِلّ”. بهذه الكلمات يُبرز الإمام علي الجانب الإرشادي للقرآن، فهو كتاب هداية شامل لا ينضب معينه أبداً. ولقد كان أهل البيت دائماً مثالاً حيّاً على كيفية الالتزام بتعاليم القرآن وتطبيقها بحذافيرها.

إضافة إلى ذلك، نجد في شهر رمضان المبارك فرصة ذهبية للتفاعل مع القرآن ليس فقط عبر قراءته، بل في تدبر معانيه وتأمل آياته. فتلاوة القرآن وحدها عبادة عظيمة يؤجر عليها المؤمنون أجراً مضاعفاً في هذا الشهر، ولكن فهم كلماته والعمل بمحتواه يمنح القلب صفاءً وينير الفكر ببصيرةٍ تجعله أقرب إلى الحق والهداية.

إن المسار الذي يدعونا إليه القرآن ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام هو مسار العبودية الخالصة لله، القائم على تعزيز القيم الأخلاقية، ونشر العدالة، وحفظ الحقوق، والحرص على الصدق والأمانة والمحبة بين الناس. وشهر رمضان هو محطة سنوية لتجديد هذا العهد مع القرآن والإفادة القصوى من بركاته.

لذلك، فإننا مدعوون جميعاً كما كان النبي وأهل بيته يدعون إلى أن يكون للقرآن حضور دائم في حياتنا، ليس فقط في شهر رمضان بل طيلة أيام العام. إنه كتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تفنى ذخائره، فهو النور الذي لا ينطفئ والدليل الذي يقودنا نحو الخير أينما كنا وأينما توجهنا. فلنغتنم هذه الفرصة العظيمة ونجعل من هذا الشهر وسيلة لبناء علاقة قوية ومستدامة مع كلام الله تعالى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى