مكتبة الأدب العربي و العالمي

حكاية نور / الجزء2…… يتبع……#حكاية_نور……(يوسف بوزيان)

وجود نور طبطب على قلبي من الداخل فهدأت عاصفة أحزاني بوجودها….و أنا لافف إياها في ثوب أبيض أخدت أنظر للسانها الصغير و هو يخرج من ثغرها و شعرها القليل و كأنها ملاك من السماء…..و كأن كل واحد منا أنقذ الآخر…لولا وجودي لماتت من البرد أو إلتهمها حيوان أو سرقها أحدهم ليتسول بها في إشارات المرور…و لولاها لمت و لقيت المولى بمعصية عظيمة….إنني أردتها لي في الحقيقة و لم أرد البحث عن والديها ، والدين كهؤلاء لا يستحقونها…….في تلك الفترة كانت على والدي ديون كثيرة لم يسددها و لم يعد لدينا سوى بضع مال قليل لن يكفينا نحن الثلاتة….أنا و أبي و نور….كنا أمام خيارين….إما أن نبيع المنزل و إما أن يسجن والدي…فمكان لنا إلا أن نبيعه لتسديد ديون بالملايين و إكترينا بيتا صغيرا مكونا من غرفة واحدة و مرحاض و مطبخ صغير…خرجت لأشتغل و أنا كلي إستعداد للعمل في أي شيء كان كي لا نموت جوعا…ذهبت لأستغيث أصدقائي اللذين كنت أسهر معهم و نضحك و نسافر معا….و في كل مرة أقابل واحدا منهم إلا و إعتذر لي و على ملامحه شفقة مزيفة….جلست على الرصيف و أشعلت سيجارة و حال قلبي يقول ( آااه..كم هي صعبة الحياة…البارحة كنت من أولائك الذين يلعبون بالمال لعبا و اليوم ليس لدي حتى ما يسد رمقي…) نهضت و رحت أجول المدينة…مررت بجوار المطعم الذي كنت أرتاده مع خطيبتي و أتذكر الأيام التي ولت…و أشاهد الناس و هي مستمتعة بإلتهام أشهى المأكولات و أنا لعابي يسيل لا حول لي ولا قوة…..وقفت لهنيهة و أنا أرمقهم يأكلون…و عندما نهضت أسرة من الطاولة رحت آكل الأكل المتبقي بلهفة كبيرة…غير مدرك لما أفعل فالجوع أعمى عيناي…كان يجب علي الحصول على المال لسد رمقي و لإطعام نور و والدي…ذهبت لأحمل أكياس الخضر في السوق…فحصلت على بعض دريهمات…ثم رجعت و غيرت الحفاظات لنور و إشتريت شيئا من الطعام لنا….و جلست أراقب الهاتف…و أرمق الصور….صورة لنا و نحن في رحلة مع العائلة…و أخرى لأمي و هي حاضنة إياي و أخرى لي مع خطيبتي و نحن في قمة البهجة…كل صورة تكسرني أكثر من التي قبلها و الدموع تنهمر مع كل نظرة…بدأت أحذف كل الصور و الذكريات…حذفت أرقام من ظننتهم أصدقائي…من كانوا معي حين كنت غنيا و تركوني حين صرت فقيرا….وقتها بدأ يذب المرض جسد والدي و ينهش جسمه و في كل يوم تصبح حالته أسوء من قبل…كل الأبواب أقفلت في وجهي…أصبحت أشاهد والدي و هو يموت يوما وراء الثاني ، لقد كسرت وفاة والدتي روحه فصار جسدا بروحه مهترئة و نفسية محطمة….أنا أذهب كل يوم لحمل الصناديق و الأكياس و لكن ذلك لم يكن كافيا لسد حاجياتنا ، خصوصا و دواء والدي يكلف الشيء الكثير…حملت نور و بدأت أفكر في أن أرجعها حيث تركتها..فلست أهلا لمسؤوليتها و حضورها صعب المهمة علي فأنا لست بقادر على إعالة ثلاثة أرواح….حملتها و خرجت…فإذا بي أسمع والدي يقول ( إلى أين أنت ذاهب بنور يا وائل )…رددت عليه قائلا ( فقط لنتمشى يا أبي…)…أقفلت الباب و أنا مكسور من الداخل و في جوف عيناي ينبوع من الدموع….كانت نائمة وقتها كالملاك…لقد أحببتها كثيرا و تذوقت طعم الأبوة قليلا و هي في أحضاني و لكن الحياة تحتم علينا في الكثير من الأوقات أن نفعل أشياءا ضد رغباتنا….رحت هناك مع حبيبتي و وقفت بجوار المكان الذي وجدت فيه نور….سألت حارسا كان هناك…(أ جاء أحد هنا للبحث عن صبية منذ شهور)…فأخبرني بأن لا أحد يجرأ أن يأتي هنا فالمكان كله لصوص…المسكينة تخلو عنها كأنهم تخلو عن سترة قديمة أو طاولة بالية…رحت لدار الأيتام و وقفت أمام الباب…و قلبي يتعصر ألما على نور..و قلت و أنا أنظر لوجهها الجميل (نور حبييتي سأتركك و لكن قلبي معك ، صحيح أن شهور مكوثنا مع بعض كانت قليلة و لكنني صرت أحس أنك من صلبي.. الوداع يا حبيبتي) …وقفت منتظرا مديرة الملجئ كي أخبرها بقصة نور و أوصيها أن تعتني بها…. وقتها إستفاقت… و هي تنظر لي بعيونها الصغيرة أحسست أنها بالفعل إبنتي فقبلتها في جبينها و عيناي تملؤهما الدموع… و بعدها حضرت المديرة و قالت ( نعم يا سيدي…أتريد شيئا )…نظرت لنور و ضممتها لصدري و قلت ( لا…لا شيء…لا شيء…)…فعرفت وقتها أن جوعي للعاطفة أكبر من أي شيء و أن نور هي ملاك الرحمة التي وهبني الله إياه في عز إنكساراتي…. #الجزء2…… يتبع……#حكاية_نور……(يوسف بوزيان)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر + تسعة =

إغلاق