الرئيسيةمقالات

الانترنت والحياة المعاصرة

فاطمة أبو واصل إغبارية

الإنترنت… ذلك الكائن غير المرئي الذي تسلّل إلى تفاصيل حياتنا حتى صار الحاكم الفعلي لإيقاع أيامنا. لم يأتِ صاخبًا، بل دخل بهدوء، كخادمٍ مطيع، ثم ما لبث أن جلس على كرسيّ السيادة دون أن نشعر. نحن لم نُجبَر عليه، بل هرولنا إليه طوعًا، حتى فقدنا القدرة على التراجع.

ماذا لو قُطعت الكابلات؟ سؤال يبدو تقنيًا، لكنه في جوهره وجودي. عندها، لن تتوقف فقط الرسائل والتطبيقات، بل ستتوقف منظومة كاملة من الاعتماد المُفرط: أعمال، تعليم، تواصل، وحتى أبسط عاداتنا اليومية. سنكتشف فجأة أننا لا نحفظ أرقام أحبّتنا، ولا نعرف طريقًا دون خرائط، ولا نصبر على لحظة صمت دون إشعارٍ يوقظنا.

لقد تخلّينا عن الكتاب المطبوع، لا لأنه أقل قيمة، بل لأنه أبطأ. والإنسان المعاصر لا يحتمل البطء. الجرائد صارت ذكرى، والمجلات تحوّلت إلى أرشيفٍ رقمي لا يُفتح. أما القراءة قبل النوم، فقد استُبدلت بتمريرٍ لا نهائي لشاشة تُغذّي القلق بدل أن تُطفئه. لم نعد نقرأ لنفهم، بل نتصفح لننسى.

رؤوسٌ محنية في كل مكان… مشهدٌ لا يحتاج إلى وصف. في المقاهي، في البيوت، في الطرقات، حتى في اللحظات التي كانت يومًا حميمية: لقاء الأصدقاء، جلسات العائلة، لحظات التأمل. أصبح الإنسان حاضر الجسد، غائب الذهن، يعيش في عالمين، ولا ينتمي بالكامل لأيٍّ منهما.

الإنترنت لم يسرق وقتنا فقط، بل أعاد تشكيل وعينا. قراراتنا، أذواقنا، حتى آراؤنا، أصبحت تُصاغ عبر خوارزميات لا نراها، لكنها تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا. نحن نظن أننا نختار، بينما في الحقيقة يتم توجيهنا بلطفٍ محسوب، حتى صرنا نسير في مسارات مرسومة مسبقًا.

المفارقة المؤلمة أننا نملك كل هذا الاتصال… ونفتقد التواصل. نعرف أخبار العالم في لحظة، لكننا نجهل ما يدور في داخلنا. نستهلك محتوى بلا توقف، لكننا نُنتج فراغًا يتسع يومًا بعد يوم.

ولم يسلم البيت من هذا الزحف الصامت. ربّ الأسرة، الذي كان يومًا محور الحوار ومصدر التوجيه، أصبح منشغلًا بشاشةٍ صغيرة تختطف انتباهه أكثر مما يفعل أبناؤه. والأم، التي كانت تصنع دفء اللحظة العائلية، صارت بدورها أسيرة هذا التدفق اللامتناهي من الصور والمقاطع. لم يعد المساء موعدًا لاجتماع القلوب، بل اجتماعًا صامتًا لأجسادٍ متجاورة، لكلٍّ منها عالمه الخاص خلف شاشة.

أين ذهبت تلك الحوارات البسيطة التي كانت تُبنى عليها القيم؟ أين اختفت نظرات الفهم، وتفاصيل المشاركة اليومية؟ لقد تآكلت الروابط دون أن نشعر، واستبدلنا القرب الحقيقي بقربٍ افتراضي لا يسمن ، ولا يغني من دفء

ثم نصل إلى الخسارة الأعمق… الأبناء. حين انشغلنا بالشاشات، لم نترك فراغًا فقط، بل تركنا غيابًا في التوجيه والتربية. تراجع دورنا خطوة بعد خطوة، حتى وجدنا أبناءنا يسيرون بلا بوصلة، كأنهم يهيمون في عالمٍ بلا مرشد. لم يضيعوا فجأة، بل ضاعوا بالتدريج، ونحن ننظر دون أن نرى.

الأشد قسوة أننا نحن من قدّم لهم البديل. أعطيناهم الهاتف والأجهزة اللوحية لنكسب بعض الصمت، لننصرف نحن إلى شاشاتنا، فاشترينا راحتنا المؤقتة بخسارة طويلة الأمد. لم نعد نعلّمهم القيم، بل علّمناهم الهروب.

الأم، في لحظة يُفترض أن تكون قمة الحنان، ترضع طفلها بعينٍ على الهاتف. لا نظرة، لا ابتسامة، لا يد تربت على وجهٍ صغير ينتظر الدفء. علاقةٌ تُبنى في صمتٍ بارد، كأنها عملية آلية بلا روح. والأب، حين يأتيه ابنه بحديثٍ أو سؤال، يواجهه بانشغالٍ دائم، بتأجيلٍ متكرر، حتى يتعلم الطفل أن لا جدوى من المحاولة.

ثم، حين يكبر الأبناء ولا يصغون، نتساءل بدهشة: ما الذي حدث؟ لماذا لا يستمعون؟ والجواب المؤلم أننا كنا أول من لم يستمع.

قبل أن نلوم أبناءنا، علينا أن ننظر إلى أنفسنا. فقد ضاعت البوصلة من أيدينا أولًا، ثم استغربنا ضياعهم. فالمسؤولية ليست كلمات تُقال، بل حضور يُعاش. وكلّنا، دون استثناء، سنُسأل عمّا تركناه يضيع حين ننشغل بما لا يبقى.

إذا قُطعت الكابلات، ربما سنرتبك، وربما سنغضب، وربما سنشعر بالعجز… لكن بعد ذلك؟ قد نكتشف شيئًا منسيًا: الهدوء. قد نعود لكتابٍ كان ينتظر على الرف، أو لحوارٍ مؤجل مع أنفسنا أو مع من حولنا. قد نستعيد معنى أن نكون حاضرين فعلًا، لا مجرد متصلين.

ليست المشكلة في الإنترنت بحد ذاته، بل في الطريقة التي سمحنا له أن يُعيد بها تشكيلنا. لقد منحناه أكثر مما ينبغي، حتى أخذ منا ما لا يُعوّض بسهولة: الوقت، الانتباه، والقدرة على العيش دون وسيط.

وفي النهاية، السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيحدث إذا انقطع الإنترنت؟
بل: ماذا تبقّى منا إذا استمر دون انقطاع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى