

حدّثوني أنه قبل أن أجيء إلى هذا العالم، رأى أبي في المنام أنه يناديني باسم “إشراق” ، وبالرغم من أنّه ليس بيّنَ الشّغف بالطُّرق الصوفيّة ولا هو مولع بارتياد الزوايا ، فقد ارتضت دفاتر الحالة المدنية هذا الاسم ودوّنت رسم ولادتي به.. وكان ذلك ـــ ربّماـــ اختبار الأيام الأوّل ..
نشأت أسترق ـــــ في سنّ اليفاعة الأوّل ـــــ نكهة كتابات غسان كنفاني وأشعار محمود درويش وتوفيق زياد، وأتصفّح في غفلة منه ما تقع عليه يداي في مكتبة الدّار من مجلات و نشريّات ومقالات انطبعت فيها بصمة الوجع الفلسطيني ، وأحببت مارسيل خليفة و موسيقاه، و أنفقت وقتا غير يسير أجوس بين أشعار أحمد فؤاد نجم وحفظت عن ظهر قلب نصيبا من أغاني الشيخ إمام ..
لم أعلّق يوما على جدران غرفتي التي أحببتها صورا لنجوم السينما ولا لمشاهير المطربات ، بل كانت في الغالب ـــ بعد ميْعَة الصّبا ـــ صورا لزيتون “لا يموت” أو لزهر اللوز أو معلقات تحمل صور ليلى خالد ومحمود درويش وأحمد سعدات …الخ .
ولست أدري إن كان بعض هذه الصور ما يزال ثابتا في مكانه يُخبر عن بصمتي بعدما فارقت تونس من الأعوام عَقدا أنشُد في مدائن أوربّا الباردة أن تشرق شموس الأمل الدافئة ، ولكنها ظلت محفورة في وجداني، وجزءا أصيلا من كياني، يشرق بين جنباتي كلّما ادلهمّ حولي بعضٌ من سواد العالم ..
ومنذ ربع قرن، دخل علينا أبي بحاسوب ضخم الجثّة استقرّ في ركن من أركان بيتنا المتواضع .. وأذكر أنه اختار ـــ دون أن يرى ذلك في منامه ـــ اسم “أحلام كبيرة” لملفّ أصفر خصّصه لأحفظ فيه ما أخطّ أو ما أجمع من “بضاعتي” ..
توالت الأعوام على إشراق الصغيرة وازدادت عرى اتصالها بالأحلام الكبيرة .. ووفّر لي ـــ فيما يبدو ـــ اهتمامي في دراستي بالمرحلة الثالثة في فرنسا بالسرديّات وبعوالم الرواية مسوّغا لمزيد الاتصال بسرديّة التحرير و العودة و بقصّة الإنسان الفلسطيني الذي يقدُّ كيانه “من لحمه و عظمه” كما قال درويش ذات مرّة ..
وباتت الأحلام الكبيرة ( أحلام العودة و تحرير فلسطين…) بعضا من معمار إشراق الداخلي،، وأمست تحسّ أنّ الحياة خواءٌ إذا لم “نترك دويّا” ( بعبارة المتنبي) وإذا نحن لم نترك بصمة تمنح وجودنا بعضا من المعنى في زمن “التيه” وفي عصر يحتّم “الهجرة إلى الإنسانية” ( بعبارة الفيلسوف فتحي المسكيني) .
لا غرابة إذن، أن يكون أغلب الأصدقاء و أكثر الصديقات في شوارع الغربة الباردة من أولئك الذين سالت الأرض بين أصابعهم دون أن تخفُت إشراقة القدس في عيونهم و في أفئدتهم التي ما انفكت “تربي الأمل” .. وسط هذا الزحام، اختارت إشراق أن تكون “نسمة إصرار” واختارت أن يكون رفيق الدرب حقيقا بالأحلام الكبيرة ..
وها هو في الثالث عشر من هذا الشهر،، ينعقد قرانها على شريك الأحلام الكبيرة حتى إن كان ما يزال في ضيق زنزانة الاحتلال الصغيرة .. ليس الأمر في نظرها فعلا تروم منه خلق “الدهشة” ولا هو فعل “مجنون” ،، بل تراه بعضا من سرديّة الصمود و إثباتا للقدرة على تعزيزه و صونا لفكرة الأمل الذي يعزّ عن الاقتلاع وعن العقم …
بين تونس العاصمة حيث حلّ أصدقاء إشراق وشريكها الأسير/ الحرّ عبر رحلات جوية وافدة من عواصم مختلفة ولكنها متشابهة في الإخلاص للحلم الكبير، وبين جربة ـــ منبت العائلة ـــ ومقرّ الجدّ ( أمدّ الله أنفاسه) و بيوت الأعمام و العمّات، اجتمع الأقارب و الأصدقاء، تختلف ملامحهم و تختلف لهجاتهم، وتتّحد أحلامهم بعدما “حشرتها” إشراق في “ملفها الأصفر القديم” على لوحة الحاسوب العتيق..
هبّوا جميعا من سائر ربوع تونس و من فلسطين و من لبنان و من فرنسا، كهولا وشبانا و أطفالا، يُنشدون ويرقصون، لم تُعِقهم التزامات الشغل ولا مواعيد الدراسة ،، ولا تقلبات الطقس ولا اضطراب الرحلات الجوية.. كانوا جميعا في الموعد مدركين تماما أنهم إزاء حالة نضاليّة نادرة ، بل لعلّها فريدة في تونس فرادة إشراق التي كانت أوّل “عروس” تضع بصمة الصمود في قرية الأجداد قبل أن تخطّ على ورقة “الصداق” بصمة الوفاء ..
لم تحضر لهجة فلسطين ولا بعضٌ من أهلها و لا أغانيها وحسبُ،،بل حضر الثوب الأحمر، زيّ الفرح الفلسطيني الذي أضحى هو الآخر بعضا من سرديّة الصّمود بما يختزله من رمزية وما يخبر عنه من تفاصيل مقدسية أو نابلسية أو غزاوية .. بدا كأنه لا يليق إلّا بها في يوم الإصرار على الإصرار ..
كان ربّما أوّل فرح أشهده، الكل فيه مبتهجون باسمون ، غمرها الأحبّة والأصدقاء بما هي حقيقةٌ به من الودّ ومن المحبة، ولم يتغيّب عنه إلّا من منعه ظرف قاهرٌ . وما تزال حتّى الساعة التهاني تتهاطل فواحة كتماثيل فلسطين الشمعية المعطّرة التي وزعتها . التقط الحاضرون في محبّة صور التذكار وشهد الحفل عبر الوسائط الحديثة أصدقاء كثُرٌ من مدائن الدنيا، وتذوّق الضيوف الوافدون لذاذة الأطباق التونسية و نكهة الحلويات ،، ولكنّ ما بقي في البال هو قصّة السير في طريق شاقة كأنّ إشراق تستعيد قول همنغواي : “إنك تتجنب الاختيار حين تختار الطريق السهلة” ..
ولست أشكّ أنّ عائلة زوجها ( وقد باتت هذه صفته رغم الداء والأعداء) ستزداد فخرا بابنها البارّ بفلسطين مثل برّه بأمّه الصامدة التي تركت فيه بصمة التحدّي وأشربته صبيّا معنى التضحية والإيثار ، ولستَ تجد عناء لتلمس سعادة إخوته وأخواته وقد بصُروا بتفاصيل الاحتفال ، في انتظار أن يقام احتفال أكبر وأعظم يوم استعادة الأسير حريته ..
وأمّا أبو إشراق و جدّها و أعمامها وعماتها، وسائر من حضر الحفل / الاستثناء من صديقاتها الوفيّات فعلا، فلا أخالهم إلا قد ازدادوا فخرا بصاحبة “الأحلام الكبيرة” في انتظار بهجة حرية الأسير و البهجة الكبرى : تحرير فلسطين الذي سيكون يوما ولو كره الكارهون .
مبروك مجدّدا إشراق لك ولزوجك الصامد .. مبروك لأسرته ولأصدقائه ورفاقه .. أعلم أنّ رفقاءه في السجن سيغبطونه عليك .. ومبروك لفلسطين هذه العروس ذات الثوب الأحمر و ذات الإرادة التي لا تلين .
آمل أن أرى شملكم مجتمعا وأن أحضن ذات يوم أبناءكما .. دام إصراركم وأنا واثق أنّه ستكون لك أسرة جميلة لأنّ أساسها التضحية و الإخلاص والعطاء بلا حساب ..
( الصورة للعروس مع أبيها و جدّها و أخيها يوم عقد القران )



