مقالات

التقويم الهجري بين الرؤية القرآنية والدقة الحسابية*

بقلم: أ. د. عبد الحفيظ الندوي

​إن المتأمل في ملكوت السماوات والأرض يدرك أن الخالق جل وعلا قد أقام هذا الكون على نظام محكم وحسابات بالغة الدقة. ولعل من أظهر هذه الآيات تسيير الشمس والقمر ليكونا معياراً للزمن وضبط التقويم، إلا أننا نشهد اليوم تبايناً لافتاً في تحديد بدايات الشهور القمرية، مما يجعل الأمة الإسلامية أمام مفارقات زمنية تستوجب الوقوف والبحث انطلاقاً من الوحيين العلم والعقل.

​المنطلقات القرآنية لضبط الزمن
​لم يجعل القرآن الكريم منازل القمر مجرد ظاهرة جمالية، بل ربطها صراحة بوظيفة “التأريخ” وضبط مواقيت العبادات والمعاملات:
يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (البقرة: ١٨٩).
​كما قطع القرآن بأن حركة هذه الأجرام ليست عابرة، بل هي قائمة على “حسبان” دقيق لا يتبدل:
يقول سبحانه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (الرحمن: ٥).
وقد فصل الله منازل القمر بدقة لتمكين الإنسان من الحساب الرقمي للزمن:
يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسُ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (يونس: ٥).
​الدقة الحسابية في السنة النبوية
​تتجلى عبقرية الحساب في التوجيه النبوي من خلال مفهوم “البواقي”، وهو ما يؤكد أن الشهر القمري وحدة زمنية محددة لا تقبل الارتجال، كما يظهر في هذين الحديثين:
​١. صحيح البخاري (رقم: ٢٠٢١):
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «التمِسُوها في العَشرِ الأوَاخِرِ من رمضانَ؛ ليلةَ القدرِ في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى».
​٢. مسند أحمد (رقم: ٧٤٢٣):
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ سأل: «كم مَضى منَ الشَّهرِ؟» قلنا: مضت اثنتانِ وعشرون وبقي ثمانٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: «لا، بل مضى اثنتانِ وعشرونَ وبقيَ سَبعٌ، اطلبوها اللَّيلةَ». وفي رواية يعلى: أن الشهر كان تسعاً وعشرين يوماً.
​هنا يصحح النبي ﷺ العدّ بناءً على حقيقة الشهر الفلكية، مما يدل على أن العبرة بالحساب الواقعي الدقيق لا بمجرد الظن.
​إشكالية التباين ومعالجة الواقع
​في الوقت الذي يتوحد فيه العالم خلف التقويم الشمسي، نجد في التقويم الهجري تشرذماً يجعله يبدو “محلياً” بامتياز، والسبب هو حصر “الرؤية” في إطار بصري ضيق يتجاهل الحقائق الفلكية القطعية. إن القرآن الكريم يشير في سورة “يس” إلى نهاية الدورة القمرية بوضوح:
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.
​فالعرجون القديم (الهلال المتناهي في الدقة) هو علامة نهاية الشهر، يليه مباشرة المحاق ثم الاقتران. إن اعتماد هذه الحقائق العلمية هو السبيل الوحيد لخروج الأمة من حرج التفاوت الزمني، وتحقيق الوحدة في الشعائر والمواسم.
​إن العودة لجوهر النصوص الفقهية بروح علمية هي الكفيلة بإعادة الاعتبار للتقويم الهجري كمنظومة زمنية عالمية تتوافق مع “الحُسبان” الرباني الذي لا يخطئ.
​نسأل الله أن يفتح لهذه الأمة سبل الرشاد. آمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى