مقالات

رمضان: شهرُ إعادةِ تعريفِ الزمن

فاطمة ابوواصل إغبارية

في عالمٍ يقيس قيمة الإنسان بعدد الساعات التي يعملها، وعدد الرسائل التي يجيب عنها، وعدد الإنجازات التي يكدّسها، يأتي رمضان ليطرح سؤالًا مختلفًا:

ماذا لو لم يكن الزمنُ كميةً نستهلكها، بل معنىً نعيشه؟

ليس رمضان شهرًا عابرًا في التقويم، ولا مناسبةً طقسية تتكرّر كل عام، بل تجربةٌ إنسانية تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ووقته، بين الجسد وإرادته، بين الضجيج الداخلي وصوت الضمير. في هذا الشهر، لا يتغيّر برنامج اليوم فقط، بل يتغيّر الإحساس بالحياة نفسها.

في عالمٍ يقيس قيمة الإنسان بعدد الساعات التي يعملها، وعدد الرسائل التي يجيب عنها، وعدد الإنجازات التي يكدّسها، يأتي رمضان ليطرح سؤالًا مختلفًا:

ماذا لو لم يكن الزمنُ كميةً نستهلكها، بل معنىً نعيشه؟

من زمن الإنتاج إلى زمن الامتلاء

خارج رمضان، يتحرّك الناس وفق إيقاع السرعة:

الوقت مال، والدقائق استثمار، والتأخر خسارة.

لكن في رمضان، يتبدّل الإيقاع.

يصبح انتظار أذان المغرب لحظة وعيٍ لا مجرد انتظار طعام.

وتتحوّل الساعات الأخيرة قبل الفجر إلى زمنٍ مكثّف بالخشوع والترقّب.

لقد ارتبط رمضان تاريخيًا بنزول الوحي في القرآن الكريم، في قوله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ…».

غير أن دلالته الأعمق تتجاوز البعد التعبّدي إلى بعدٍ وجودي: إنه شهر إعادة تعريف الأولويات.

الصيام: استعادة السلطة الداخلية

يظنّ البعض أن الصيام حرمان، لكنه في جوهره تدريبٌ على السيادة.

في الأيام العادية، تقودنا الرغبات الصغيرة: جوعٌ فنأكل، غضبٌ فنتكلم، مللٌ فنبحث عن إلهاء.

أما في رمضان، فيتعلّم الإنسان أن يقول «لا»… لنفسه أولًا.

هذه القدرة على تأجيل الإشباع ليست قيمة فردية فقط، بل قيمة حضارية.

فالمجتمعات التي تضبط شهواتها وتدير انفعالاتها، أقدر على بناء مستقبل متوازن.

الجوع بوصفه وعيًا اجتماعيًا

الجوع في رمضان ليس عقوبة، بل تجربة شعورية تعيد تشكيل الحسّ الأخلاقي.

حين يختبر الميسور ألم العطش، يصبح أكثر فهمًا لواقع المحتاج.

إنها عدالة شعورية مؤقتة، لكنها قادرة على إيقاظ ضميرٍ قد يكون غافلًا طوال العام.

رمضان يذكّر الإنسان بهشاشته، ويكسر وهم الاكتفاء الذاتي، ويعيده إلى بساطة الاحتياج الأولى.

الليل… مساحة مصالحة

في بقية الشهور، الليل راحة جسدية.

أما في رمضان، فهو مساحة مراجعة.

قيام، دعاء، سكون بعد ازدحام النهار…

كأن الإنسان يستعيد صوته الداخلي الذي ضاع في ضجيج الحياة.

إنها لحظة مواجهة هادئة مع الذات:

من نكون؟

وماذا نريد أن نصبح؟

ما بعد الهلال الأخير

السؤال الحقيقي لا يُطرح في أول يوم من رمضان، بل في آخر ليلة منه:

هل تغيّر شيء فينا؟

إذا خرج الإنسان من الشهر كما دخله، فقد مرّ الزمن عليه ولم يمرّ هو بالزمن.

أما إذا تعلّم ضبط رغبة، أو تهذيب كلمة، أو إصلاح عادة، فقد أدرك المعنى الأعمق لهذا الموسم.

خاتمة

رمضان ليس استراحة من الحياة، بل إعادة تدريب عليها.

ليس شهر الامتناع، بل شهر الامتلاء.

هو اللحظة التي يتوقّف فيها سباق الساعات، ليمنح الإنسان فرصة نادرة:

أن يعيد ترتيب قلبه… قبل أن يعيد ترتيب جدوله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى