اقلام حرة

حديث الجمعة وقالت له بقلم ناصر قنديل

قالت له: يُصيبنا هذا البقاء في المنزل معاً لأيام وساعات بالإحتكاك والفوضى والغضب وسيأخذ منا إذا طال معنى الحب.

قال لها: وها ضاق صدرك لأنك تذهبين للتسوّق بعدما كنت أفعل ذلك في طريق عودتي من العمل؟

قالت: أنا مَن فعل ولست أنت من طلب، لأن هذا ما أريد.

وقال: ولماذا؟

قالت: لأنكم أيها الرجال تقيسون الإنجاز بالوقت وليس بالنوعية.

قال: كيف ذلك؟

قالت: أنت تحسب أنك أحسنت التسوق عندما تأتي وتقول إشتريت كل طلباتك بعشر دقائق، بينما أنا أمضي ساعة في التسوق، ولكنني أختار الخضار حبة حبة وأنقب عن طلباتي، وأقارن مكوّناتها وأحجامها وأسعارها.

قال: وهل يكفي هذا لتطلقي حكماً مطلقاً أنتم الرجال تقيسون الإنجاز بالسرعة؟

قالت: وعندما تطوّعت لإعداد الطعام ماذا قلت؟

قال: ماذا؟

قالت: أنك أنجزت الطبخ وإعداد المائدة بساعة بينما أمضي فيهما ساعات؛ وأنت لا تريد أن ترى الفرق بين أنني أعتبر إنجاز الطبخ وإعداد المائدة بالنوعيّة. فأشمّ الرائحة وأصفف الأحجام بالتناسق والألوان بالتناغم وأتذوق النكهات.

وقال: وعداهما؟

قالت: إن لبست تتحداني أنك جهزت بدقائق، وإن دخلت تستحمّ تخرج مصفقاً أنك انتهيت بأقل من ربع ساعة وإن جلست على المائدة تدّعي أنك أكلت قليلاً، لأنك انصرفت سريعاً.

قال: حسناً ألا ترين أنني أساعدك في المطبخ بدلاً من قيامك بالتسوق؟

قالت: مشكلتكم أيها الرجال أنكم تحسنون استعمال الأشياء المرتبة أما نحن النساء فنحسن ترتيب الأشياء بعد استعمالها.

قال لها: أيكفي لتصدري هذا الحكم أن أكون قد نسيت لمرة واحدة أن أعيد علبة السمنة إلى مكانها؟

قالت: بل، لأنك أعدت الأشياء إلى غير مكانها.

قال: وهل يكفي ذلك لحكم آخر على وزن أيها الرجال؟

قالت: أتنسى أنك ترمي ثيابك في أرض الغرفة، وأنا أقوم بترتيبها بينما تُحسن استعمالها مرتبة وتنسى أنك تترك أوراق مكتبك وملفاته متناثرة وأنا أجمعها؟

قال: فعلاً إن العزل في المنزل يفتح العيون على ما تستره العتمة ويطلق الكلام في المسكوت عنه ويحجبه الضجيج.

قالت: لذلك قرّرت أن عليك أن تتخذ ركناً في المنزل لا يشعرني بوجودك حتى المساء تكتب وتقرأ وتستمع للموسيقى وتشاهد التلفاز وتلعب الرياضة وتستحمّ آخر النهار وتنتظر إشاراتي لجهوز الطعام، تماماً كأنه يوم عمل لك ويوم منزليّ لي.

قال: في هذه الحالة ستقولين في الليل إنه تعب النهار تنامين وأكون قد أمضيت نصف نهاري نائماً، فما رأيك أن نتخاصم؟

قالت: كيف؟

قال: يخدم كل منّا نفسه كأنّه مستقل، ولو تجاورنا في المطبخ ويرتّب كل منا أشياءه ولو تجاورنا في غرفة النوم.

قالت: ولا نتكلّم ولا نتشارك؟

قال: طبعاً.

قالت: أنسيتَ أن النساء لا يُجدن السكوت؟

قال: أنسيت أن الرجال لا يُجيدون الإصغاء؟

قالت له: هات حلاً سريعاً قبل أن أغضب.

قال لها: أونلاين نتحادث ونتخاطب من غرفة إلى غرفة ومن زاوية إلى زاوية أونلاين.

وضحكا وتراشقا بقبلة عن بُعد.

منذ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × خمسة =

إغلاق