الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا ” فاعل خير ” بقلم عمر عبد الرحمن نمر

قاعد في الدار روحه مفرفطة، لا شغلة ولا عملة، عامل مياومة إن اشتغل أكل، وإن لم يشتغل سجّل على دفتر الديون… والحمد لله لقد منّ الله على العائلة بالعافية، فمن سخن فكمّادات، ومن آلمه راسه فغلي طلق شجيرة، ومن تحسس فمغلي التبن… وهكذا… لكن الرجل وقف عمله، الكورونا حبسته في البيت، وأجرته محبوسة عند مشغّله، وحسابه في دفتر الدكان يزيد كل يوم حتى تورّمت صفحته…

أبو صبحي مش شايف الفظا، والدنيا قدّامه قَدْ خرم الإبرة، ومش طايق يسمع صوت حدا من اولادو… ولا طايق يسمع أي طلب من طلباتهم… هذا بدو بنطلون، وهاي بدها قبة، وهاذ بدو بوت، والإمّاية مستحيّة إلها خمس سنين بهالخَلَقَة… سأل نفسه: لإيمتى بدّك اتظل تبرم بدخان، وادّخن، ويا قشلك، الدكاكين بطلت تسجل دين على اسمك، لأن القيس عندك مرتفع، وخايفين ما تقدر تسدْ… وعيلة حَطْمَة ع المصطبة بزلطوا الحجار… قطعت أم صبحي حبل أفكاره، وهي تقدم له كاساً من الشاي، نفخ الرجل، وقال بانكسار: الشاي لونه أصفر يمّ صبحي، ليش؟ أجابت الدمعة من عين أم صبحي، وتقطعت لغة الكلام… آخر عرام شاي يا بو صبحي… وما حدا من الاولاد قبل إروح يشتري ويسجل… قال بستحوا… وكأنك حملت سكيناً وذبحت الرجل من الوريد إلى الوريد… وهطلت دموع أم صبحي بغزارة، والله يا زلمي ما عندنا في الدار إشي… حتى طحين ما في… زيت… ما في… خضرة ما في…

شرب أبو صبحي كاس الشاي، وطلب منها أن تأتيه بورقة وقلم… ثم سألها احتياجات البيت، ومنين يا حسرة؟ قالت المرأة… الرجل لا يُسْأل منين يمّ صبحي… وسجلت أم صبحي: طحين، زيت، رز، شاي، سكر… لبس دمايته، وحطّته وعقاله، ولمّع حذاءه ببشكير قديم تالف بعد أن بلله بالماء… وانطلق إلى الدكان، تمنى أن تطول المسافة بين بيته والدكان… حمل الرجل فقره وخجله وعزة نفسه… ومشى إلى الدكان، ماذا سيقول لصاحبه؟ كيف سيرتب أمر تسديد الدين؟ كيف سيتحدث مع صاحب الدكان، وحوله الناس؟ إن أثقل حمل يمكن أن يحمله الرجل، هو الفقر، ففيه يمكن أن يفقد رجولته وشخصيته ومكانته حتى بين أبنائه… ياه… عالم من التساؤلات يدور على شريط أمام عينيه… أيعود إلى البيت؟ فارغاً؟ ذاك صعب… هل يستطيع أن يرى ابنه صالحاً جائعاً…؟ وخولة بلا حبّة ملبس حلوة؟ و.. و.. أيستمر بالمشي إلى الدكان… خياران أحلاهما مر…

وصل الدكان، سلّم أو كاد، لمح ابتسامة التاجر، قال بصوت مبحوح: أريد بعض الأغراض… خذ ما تريد أبا صبحي، أجاب التاجر… حاول أبو صبحي إجراء خطوة استباقية كأن يعتذر ويذكّر بالدين، قبل أن يستجوبه الدائن… لكن فاجأه التاجر: ماذا تريد؟ سلّمه ورقة الاحتياجات، ولا يهمّك قال التاجر، وبدأ يتناول الغرض تلو الغرض، ويضعه في زرفه، وكان يزيد في عدد الأغراض وفي كمياتها أيضاً، فيصيح الذي غشاه الخجل، ويحتجّ، وهو مندهش لما يجري… ولما استوفى الرجل أغراضه سأله أبو صبحي عن الحساب… وأراد أن يقدم اعتذاراً عن تأخره في السداد… خربش الرجل على ورقة كأنه يحسب، ثم فتح دفتره، وقال: لا شيء عليك يا رجل… اندهش أبو صبحي لهذه العبارة، وما كاد يصدق ما يسمع، فصاح: شو؟ شو؟ شو؟ قال التاجر ما سمعت… لا ديْن عليك ولا أي حساب… لقد مرّ فاعل خير، وسدد عنكم يا أيها الفقراء إلى الله… من؟ من هو؟ قال لي: لا يريد أن يعرفه أحد… شعر أبو صبحي كأنه كان على وشك الغرق، وأنقذه أحدهم منه، احمرّ وجهه وعرق، وهو يتمتم بكلمات… ثم حمل بضاعته، ومشى وهو يدعو لفاعل الخير بمزيد من الرزق والخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + ستة عشر =

إغلاق