تربيةُ الأُسَرِ أبناءَها – ذكورًا وإناثًا – على مفهوم العدالة بدل الصراع بين الجنسين
فاطمة ابوواصل إغبارية

في زمنٍ تتسارع فيه الخطابات المتقابلة، ويتضخم فيه صوتُ الصراع بين الجنسين حتى يكاد يطغى على جوهر العلاقة الإنسانية، تصبح الأسرةُ الملاذَ الأول لإعادة التوازن، والمختبرَ الحقيقي لبناء مفهوم العدالة بوصفه قيمةً جامعة، لا شعارًا صِداميًّا.
إنّ الطفل لا يولد حاملًا أفكار التفوق أو الدونية، ولا مدجّجًا بخطاب المنافسة العدائية بين الذكر والأنثى؛ بل يتلقّى وعيَه الأول من البيئة التي ينشأ فيها. فإذا سمع في بيته لغةَ المقارنة الجارحة، أو التفضيل المطلق، أو الاستعلاء المُبطَّن، تشكّلت في داخله بذورُ صراعٍ قد يكبر معه. أمّا إذا عاش في بيتٍ يُمارَس فيه العدلُ سلوكًا يوميًّا، ويُقدَّم فيه الاحترام بوصفه حقًّا لا منّة، فإنّه ينشأ مدركًا أن العلاقة بين الجنسين علاقة تكامل لا تنازع.
العدالة في التربية لا تعني التطابق التام بين الأدوار، ولا إلغاء الفروق الفطرية، بل تعني إعطاء كلٍّ حقَّه، وتقدير خصوصيته، وإشعاره بكرامته الإنسانية الكاملة. فالعدل أعمق من المساواة الحسابية؛ هو إنصافٌ في الفرص، وفي الدعم، وفي توزيع المسؤوليات. حين يرى الابنُ أنّ أخته تُشجَّع على طموحها كما يُشجَّع هو، وحين ترى البنتُ أنّ أخاها يُطالَب بالمسؤولية الأخلاقية كما تُطالَب هي، يتشكّل وعيٌ متوازن يُغلق باب الامتياز الوهمي ويفتح باب الشراكة.
لقد رسّخ القرآن الكريم أصل الكرامة الإنسانية المشتركة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فجعل معيار التفاضل أخلاقيًّا لا جندريًّا. كما أنّ سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدّمت نموذجًا عمليًّا في احترام المرأة، وإشراكها في الرأي، وتقديرها شريكًا في بناء المجتمع. إن استحضار هذه القيم في البيت لا بوصفها نصوصًا محفوظة، بل سلوكًا معيشًا، هو المدخل الحقيقي لتجاوز ثقافة الصراع.
ومن المهم أن تدرك الأسرة أن خطاب “الضحية الدائمة” أو “المتهم الدائم” يزرع في نفوس الأبناء شعورًا بالتنازع لا بالمسؤولية. فالعدل يقتضي أن يُربّى الذكر على التعاطف لا الهيمنة، وأن تُربّى الأنثى على الثقة لا العداء، وأن يُنشَّأ الاثنان على الحوار لا الاتهام. إنّنا حين نُربّي أبناءنا على احترام إنسانية الآخر، فإننا في الحقيقة نُحصّن المجتمع من استقطابٍ يُضعف طاقاته.
كما أنّ توزيع الأدوار داخل الأسرة يجب أن يكون قائمًا على التعاون لا القوالب الجامدة. مشاركة الأب في شؤون البيت، ودعم الأم لمسؤولياتها المهنية أو الفكرية، يقدّم نموذجًا عمليًّا يتعلّم منه الأبناء أنّ الكرامة لا تتعارض مع الشراكة، وأن المسؤولية ليست حكرًا على جنس دون آخر.
التحدي اليوم ليس في إثبات من هو الأحق، بل في بناء جيلٍ يدرك أنّ العدل يحرّر الطرفين معًا. فالذكر الذي يتربّى على امتيازٍ غير مستحقٍّ يُثقل نفسه بوهم التفوق، والأنثى التي تُربّى على شعورٍ دائم بالظلم قد تفقد ثقتها بالانسجام الاجتماعي. العدالة تحمي الاثنين من تشوّه التصورات.
إنّ الأسرة التي تُنشئ أبناءها على مفهوم العدالة تزرع فيهم وعيًا حضاريًّا ينعكس على المدرسة والجامعة ومكان العمل. وهكذا تتحول التربية من شأنٍ خاص إلى مشروعٍ مجتمعي يعيد صياغة العلاقة بين الجنسين على أساس التكامل الإنساني.
فالصراع لا يبني أمة، والعدالة لا تُقصي أحدًا. وبينهما تختار الأسرة طريقها: إمّا أن تكون مصنعًا لإعادة إنتاج الانقسام، أو منارةً لصناعة التوازن.
والرهان – في النهاية – ليس على شعارات تُرفع، بل على قيم تُعاش



