الرئيسيةمكتبة الأدب العربي و العالمي

حكايا من القرايا ” يا فرعون شو فرعنك “

عمر عبد الرحمن نمر

طار صيته في البلاد كلها، وذاعت أخباره في القرايا وحتى المدن… عبد الله الساعد المسعود… الله لا يسعدو… شرّ… ما بعمل ولا غانمة، وتاريخه حافل بضرب هذا، وسبّ هذا، وأكل حقّ هذا… وكل من هذا وهذا يقول: بلاش تيجي منّي، بلاش أبقى أنا اللي يواجهه… خللي غيري… ولا هو ولا غيره واجه عبد الله الساعد…

سبحان الله، من طفولته، وهو يتسلّط على إخوته في البيت، ويستأثر على ألعابهم، ويسلبهم مصروفهم، وحتى حصصهم في الأكل والحلويات… يأخذها بالقوة والزعرنة… كما كان يتسلط على أقرانه في الحارة والملعب، فيأخذ منهم ألعابهم، وأشياءهم… وفي المدرسة يستولي على أقلامهم ودفاترهم… ولا أحد يمتلك الجرأة لتقديم شكوى للمعلم أو المدير…

وأصبح الساعد شابّاً، وحمل شبريّة على جنبه، وكبرت مصائبه، يمر عن الناس فلا يطرح السلام عليهم، ويأكل أرض جيرانه، ويوسّع حدود أرضه بتضييق أراضيهم… ضرب الحرّاث لأنه طالب بأجرته، ووضعه في تلم الحراثة، ولولا توسّل الناس لدفنه فيه… وهجم بشبريّته المجرمة على صالح المحمد مدّعيا أن صالحاّ ينظر إليه، وفي وجهه نظرة احتقار له… وهرب صالح من أمام شبريّة الساعد… وقطع أشجاراً للناس كانت على جنبات طريق داره كي يوسّع الشارع إليها… اجتمع الناس من هنا وهناك، وعيونهم تفيض من الدمع، وفي قلوبهم غصّة، وهم ينظرون في شجرهم يتقطّع أمام أعينهم… ولم يحرك أيٌّ منهم ساكناً، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة.

عبد الله الساعد لم يقرأ التاريخ، وإن قرأه لم يدرك أن الظلم ظلمات، وأنه لا يدوم، وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم… الساعد فكر الدنيا ستظل قمرة وربيعة… وسيظل شيخاً على هذه الأمة… إلى أن كان يوم.

الأيام تمر، وشرّ الساعد يكبر، وأولاده يكبرون، لكنهم يمقتون أعماله، ولا حيلة لهم عليه، وكما قالوا: فإنه يخلق من الزردة وردة… ويكبر علي الجبر، ويصبح شاباً أنهى تعليمه الجامعي، وتخلّق بكل حسن… كان شهماً قوياً في خلقه وعلاقاته، قوياً في جسده وعضلاته… وتشاء الأقدار أن يسرح الشاب إلى أرضه (ليشكّ) عليها ويتفقد مزروعاته، ويا هول ما رأى، الساعد في الزرع، وأغنامه راتعة فيه… دار الدم والغضب في عروق الشاب، لكنه ضبط نفسه، وأراد محاورة الجاني… ولم يرُقْ ذلك للساعد أبداً… صاح الساعد: من أنت يا بن الكلب؟ هذه أرضي، وأنت واللي خلفك ما لكم شيء فيها… وتسارع الدم في عروق الشاب… فهجم على الساعد، تناول الساعد شبريّته عن جنبه بسرعة، لكن علياً ضرب يد الساعد ضربة قوية أسقط منها الشبريّة، ثم ضربة بالركبة على بطن الساعد، فسقط أرضاً… وبدا جسده ميداناً للكمات… وخبط الشاب على رقبته، وهو لا يحرك ساكناً… وحلّ الشاب رسن حمار الساعد، وقيّد به صاحبه… وتناول الشبريّة، وغرسها إلى جانبه، وبصق في وجهه، وساق غنمه…

وتبهدل الساعد… وبألف واسطة ورجاء حتى استطاع إعادة غنمه… ومن ذاك اليوم أصبحت بهدلة الساعد تاريخاً في البلدة، وحكاية يحكى بها… وقضى بقية عمره محجوراً عليه في بيته، ولم يشاهد إلا لماماً…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 3 =

إغلاق