مقالات

في حضرة الذاكرة أشياء غير منسية / محمد جبر الريفي

#في حضرة الذاكرة : (أشياء غير منسية )

.أربعة أعوام قضيتها لم أتخلف فيها عن يوم واحد عن عملي في مكتب بالسرايا كمفوض سياسي في المخابرات العامة وكلما اقتربت من مبنى السرايا الذي بني عام 46 في عهد الانتداب البريطاني وطالعنتي بوابته الرئيسية تعود بي الذاكرة إلى عام 56 من القرن الماضي أيام أعقبت انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في السابع من شهر مارس الذي أصبح ذلك اليوم عيدا وطنيا للقطاع باسم عيد الجلاء وكان يقام فيه احتفال كبير في ملعب اليرموك يحضره الحاكم العسكري المصري لقطاع غزة ..أمام بوابة السرايا الذي كنت أمر من أمامها كل يوم كان دائما يعاودني ذلك المشهد البطولي الذي استشهد فيه محمد المشرف من سكان مخيم الشاطيء .. يومها أعتلى ذلك الفتى الأسمر النحيف سارية العلم الحديدية بكل خفة ونشاط مدفوعا بنشوة وبهجة الانسحاب وسط التصفيق الحاد الذي ساد المكان لينزل علم الأمم المتحدة ويرفع بدلا منه العلم الفلسطيني عاليا ليرفرف خفاقا تأكيدا على دحر الاحتلال ..لحظة حاسمة مليئة بالمشاعر الوطنية جعلتني انظر الى فوق حيث السارية والعلم والسماء و كان وقتها الجو باردا والغيوم الماطرة اراها تتكثف قادمة من جهة البحر والهتاف والتصفيق الحاد يعلو والقوات الدولية الموجودة في مركز أبو خضره المقابل تراقب ما يحدث في المكان وما هي إلا برهة من الوقت حتى دوت طلقات من الرصاص سقط على أثرها ذلك الجسد النحيف وأرتطم بالأرض ..استشهد الفتي الأسمر محمد المشرف وفي يده علم فلسطين الذي اكتسى بالدم ..دم أحمر قان نظيف امتزج بتراب الوطن ليبقى القطاع بعدها قلعة للوطنية الفلسطينية محافظا على اسم فلسطين .. سقط مشروع التدويل كما سقط قبله مشروع التوطين في سيناء وانتصر ذلك الهتاف الذي كانت مفرداته ترتفع صاخبة في اليوم التالي في ساحة فلسطين امام مبني البنك العربي الآن ولم يكن في تلك الأيام موجودا بل كان المكان على ما أذكره جزءا من مقبرة ربما كانت امتدادا لمقبرة الإنجليز التي ما زالت موجودة الآن أمام المستشفى العربي الأهلي المعمداني أو الإنجليزي سابقا ..تعود الإدارة المصرية إلى القطاع وذلك رغم أنف واشنطن صاحبة مشروع تدويل القطاع لكن أشياء غير منسية ظلت محفورة في الذاكرة فالهتافات التي كانت تنطلق من حناجر جموع المتظاهرين ما زلت احفظها على الرغم من مرور أكثر من ستين عاما على ذلك : لا سغان ولا ألوف ولا حاييم ولا غاؤون .. حاكم غزة (هيو جاي). .وسغان ألوف حاييم غاؤون هذا هو الحاكم العسكري الإسرائيلي لقطاع غزة في فترة الاحتلال الذي دام ما يقارب أربعة شهور أيام العدوان الثلاثى على مصر …والان بعد كل هذه السنين التي مضت وقد امتد بي العمر لارى مبني السرايا وقد دمر بكامله في إحدى الحروب التي شنها الكيان الصهيوني على القطاع منذ عام 2008 .. لقد اختفي تماما وسوي بالارض وبذلك لم تعد أثر للبوابة الرئيسية لكنني في كل مرة كنت أمر فيها من ذلك المكان الذي أصبح مكسوا بالعشب الأخضر كان تتراءي لي السارية الحديدية عالية جدا والعلم الفلسطيني يرفرف فوقها بكل زهو واختيال …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − 7 =

إغلاق