اقلام حرةثقافه وفكر حررواياتمقالات

قصة قراءة النص في مواسم الريح للأمين السعيدي

الدكتور بشير العواني - رئيس المركز العربي للتربية الوالدية

بعد تجربة الجنون التي عاشها “فاروق” -رواية “مواسم الريح” للأمين السعيدي- يعود إليه وعيه وإدراكه ليفسر إقباله على حانات فلوريدا وكاليفورنيا وواشنطن ونيويورك.

في الحانة ومع السكارى، كانت خلوة “فاروق” -في رواية “مواسم الريح” للأمين السعيدي- وجودًا لوعيه وسكينته في اللاوعي الثقافي والحضاري؛ حيث يكون السرد بعيدًا عن رقابة ضمير المتكلم وضمير الغائب، وبعيدًا عن رقابة الأنا الأعلى. تنكشف مفردات الوعي عند فاروق، رمز المثقف العربي الفارّ من وعيه إلى لاوعيه، كاشفًا عن مكبوتات حضارية وثقافية وقيمية؛ كمن يرتوي بالسراب في صحراء شاسعة شديدة الحرارة في النهار وشديدة البرودة في الليل.

فقد “فاروق” (رمز المثقف العربي) ذاكرته بحثًا عن معالجات لصداع يصيبه في الرأس كلما عادت إليه كوابيس الواقع في تونس، حيث تعجز الحكومات المتعاقبة عن توفير الشغل والحرية والكرامة للعاطلين عن العمل، وينفد صبر الجميع على الجميع. ليفضح “فاروق” في رحلة كشفه عن كوابيس الواقع غربةَ المثقف العربي المعاصر في الواقع المحلي حينما يتعرض للتشكيك والتهميش، وتزداد غربته حينما يتأكد في أمريكا من شساعة المساحة الحضارية والثقافية والاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب.

يرحل “فاروق” -بطل الرواية- إلى ألمانيا بحثًا عن ذاته، وعن ضميره الذي لوّثه بالتحامه بجسد “جورجينا” التي ستصبح رئيسة للولايات المتحدة الأمريكية حسب نبوءة الراوي في “مواسم الريح”. فلا وجه للمقارنة بين الحانات في تونس التي تغلق أبوابها في رمضان من كل سنة، وتظل مفتوحة في أمريكا كامل السنة.

ولم تغادر “صالحة” -في وعيها وتجربتها- تجربةَ المرأة العربية المثقفة في ستينيات القرن العشرين؛ فنقاوة اللباس، ورفعة الإحساس، والوفاء ميزةٌ لكل الناس.

وتعود الثورة في ذهن “فاروق” -في رواية “مواسم الريح” للأمين السعيدي- وينخرط في كتابة تاريخ جديد في تجربة اختفائه في “قرمبالية” من محافظة نابل التونسية. إن سنوات جنون فاروق هي سنوات كتابة التاريخ، فالحقيقة التاريخية يدونها الإبداع الروائي، وصفاء “فاروق” في تجربة اختفائه بحاجة إلى الجنون؛ بحثًا عن المعاني في أقاصي الفهم، أو وصفًا لقساوة تجربة القارئ العربي حينما يتقن اللغات الأعجمية ويحترم قواعدها، بينما يعتدي على اللغة العربية ولا يحترم قواعدها.

يجد “فاروق” -بطل الرواية- حظوة في حانات فلوريدا، وتؤثث وعيه وإدراكه تلك العجوز العاشقة لنادل الحانة في فلوريدا، الذي ماتت زوجته وتركت له أربعة أبناء، فيغادر إلى فرنسا. وتظل تلك العجوز رمزًا للحضارة الأمريكية التي تمتعت بوفرة الإنتاج الاقتصادي، وتمتعت بالحرية، وتحررت من عقدها العاطفية والثقافية والحضارية. إن العجوز متصالحة مع ذاتها، تسكن الحانة في فلوريدا ليلًا.

سمع العالم بقصة “فاروق” في رواية “مواسم الريح” للأمين السعيدي، ولم يسمع بها القارئ العربي المغترب في غلاء الأسعار، والشعور بغربة الديار، وتزاحم الأفكار. ويفضح “فاروق” واقع المثقف في الجامعة التونسية الذي ينقطع عن القراءة والكتابة بمجرد الانتداب في العمل.

خطورة ما يحمله بطل رواية “مواسم الريح” للأمين السعيدي هي الغوص في ضرورة تغيير العقلية لحضارة كاملة؛ من الجامع إلى المجتمع إلى الجامعة.

الدكتور بشير العواني – رئيس المركز العربي للتربية الوالدية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى