الرئيسيةشعر وشعراء

سؤالٌ لا جوابَ له قصيدة غزلية للأستاذ الدكتور عبد الله السلّمي

قراءة نقدية الدكتورة فاطمة ابوواصل إغبارية

حين يبدأ الحب بسؤال، لا يكون الجواب دائمًا ممكنًا.
فثمة مشاعر تأتي قبل أن تجد لها اسمًا، وتتكوّن في النفس من تفاصيل صغيرة لا يستطيع صاحبها أن يجمعها في سبب واحد. وهذا هو المدخل الذي اختاره البروفيسور الدكتور عبد الله السلّمي في قصيدته «سؤالٌ لا جوابَ له»، حيث يضعنا منذ المطلع أمام حوار بين عاشق ومحبوبة تسأله بإلحاح: ما الذي جعلك تهواني؟

السؤال يبدو بسيطًا، لكن الشاعر لا يقدّم له جوابًا مباشرًا، بل يترك العاطفة نفسها تتولى الإجابة.

يقول:

تُسَائِلُنِي أحَقًّا أنتَ تَهْوانِي أتَهْوَاني؟
وأَيٌّ كانَ أغْرَاكَ لِتعْشَقَني وتَهْواني؟
ومَا أغْرَاكَ يا هذا لَتَأتِينِي بألْحَان؟
وأيُّ الشَّيْءِ جَمَّلَنِي وزَيَّنَني لِتَرْعَانِي؟
رِوَايَاتي كِتابَاتي أَحَادِيثِي بأَيٍّ أنتَ تَهْوَانِي؟

من البداية، يلفت النظر أن المحبوبة لا تقدم نفسها من خلال جمالها وحده؛ إنها تذكر رواياتها وكتاباتها وأحاديثها. وكأن الشاعر يريد أن يقول إن المرأة التي أحبها ليست ملامح فحسب، وإنما شخصية لها عقلها وصوتها وحضورها. وهذه نقطة جميلة في القصيدة، وكان من الممكن أن تكون أكثر حضورًا، لأنها تمنح الغزل هنا بعدًا يتجاوز الوصف المعتاد.

لكن الشاعر، حين يبدأ جوابه، يترك نفسه للغزل بكل ما فيه من انفعال، فيستدعي العين والجفون والخد والملامح، ثم ينتقل إلى الكلام والطيف والسهر والشوق. وهذا الانتقال يكشف أن المحبوبة في وجدانه ليست جزءًا منفصلًا من الصورة، وإنما صورة كاملة تتداخل فيها الكلمة والجمال والحضور.

ولعل أجمل ما في هذا المقطع أن الشاعر لا يحاول أن يقنعها بمنطق الحب، بل يستسلم له. ولهذا تأتي العبارة:

«فقلت لها: سؤالٌ لا جوابَ له»

كأن الحب، في لحظته الصادقة، يفقد قدرته على التفسير.

وفي بعض أبيات القصيدة نلمس تأثرًا واضحًا بالمعجم الغزلي العربي القديم، ولا سيما في مفردات الجفون والترائب والنواهد والطيف والسلوى. وهذا يمنح النص صلة بالموروث، لكنه في الوقت نفسه يجعل بعض الصور مألوفة للقارئ الذي اعتاد هذا اللون من الشعر. وكان يمكن لبعض الصور الخاصة بتجربة الشاعر نفسه أن تمنح القصيدة فرادتها أكثر.

أما حين تدخل القصيدة منطقة البعد والفراق، فإن نبرتها تتغير. لم يعد السؤال: لماذا أحببتك؟ بل أصبح السؤال: ماذا أفعل إذا غبتِ؟

أتَتْرُكُنِي تُغادِرُني وهَل تَرْجُو بنِسْيانِ
وكيفَ يكُونُ سُلْوَاني فَقُولِي بعْدَ نِسْيانٍ
ولَا أبغَى سِوَاكِ وهلْ بعِشْقٍ أرْتَضِي ثَانٍ

هنا، في تقديري، تقترب القصيدة من قلبها الحقيقي. فالحب لم يعد وصفًا للمحبوبة، وإنما أصبح خوفًا من غيابها. وهذه النقلة هي التي تمنح النص شيئًا من الحركة؛ فالمحبوبة تبدأ بالسؤال عن سبب الحب، وينتهي الشاعر بالسؤال عن كيفية العيش من دونها.

والقصيدة، في مجملها، تقوم على قافية ذات حضور واضح، وعلى نغمة غنائية تتناسب مع موضوعها. غير أن بعض الأشطر تحتاج إلى مراجعة عروضية ولغوية إذا أراد الشاعر الوصول بالنص إلى صورة أكثر إحكامًا من الناحية الشعرية. وهناك كذلك مواضع يبدو فيها أن القافية أخذت شيئًا من حرية العبارة، وهي أمور يمكن معالجتها دون المساس بروح النص.

ومن الجيد هنا ألا نتعامل مع القصيدة باعتبارها مجرد أبيات غزلية متتابعة؛ فهي تحمل في داخلها حوارًا، ثم اعترافًا، ثم تعلقًا، ثم خوفًا من الفراق. وهذا التسلسل هو الذي يعطيها حياتها.

ولعل عنوانها «سؤالٌ لا جوابَ له» هو أكثر ما يلخص تجربتها؛ فالشاعر يبدأ بمحاولة الإجابة عن سؤال المحبوبة، لكنه كلما مضى في وصفها بدا واضحًا أن المسألة أكبر من سبب واحد. قد يكون الحب في العين، وفي الكلمة، وفي الكتابة، وفي الصوت، وفي الذكرى، وفي ذلك الأثر الذي يتركه إنسان في إنسان آخر دون أن يعرف أحد متى بدأ.

لهذا تبقى القصيدة، رغم ما تحتاج إليه من بعض الصقل الفني، نصًا وجدانيًا صادقًا يحمل صاحبه إلى منطقة يعرفها الشعر جيدًا: المنطقة التي يصبح فيها الحب سؤالًا، ويصبح العجز عن الإجابة جزءًا من جماله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى