الأستاذ محمد الصادق الشائبي.. حين يصبح التعليم وطنا، ويصبح العطاء سيرة عمر
الإعلامي التونسي المعز بن رجب

بورتريه صحفي عن شيخ المربين بالحامة محافظة قابس الجنوب التونسي .. من مقاومة التغريب في طفولته إلى بناء صروح العلم وخدمة الأجيال
الحامة – تونس |
بقلم: الإعلامي التونسي المعز بن رجب
مدير المكتب الإعلامي لمنظمة همسة السماء الثقافية الدولية بتونس
الأستاذ محمد الصادق الشائبي.. حين يصبح التعليم وطنا، ويصبح العطاء سيرة عمر
بورتريه صحفي عن شيخ المربين بالحامة.. من مقاومة التغريب في طفولته إلى بناء صروح العلم وخدمة الأجيال
الحامة – تونس | بقلم الإعلامي التونسي المعز بن رجب
هناك رجال لا تختصرهم
الوظائف التي شغلوها، ولا الأوسمة التي علّقت على صدورهم، ولا المناصب التي مرّوا بها. رجالٌ تتحول حياتهم نفسها إلى وثيقة، ويصبح مسارهم الشخصي جزءا من الذاكرة الجماعية لمجتمع كامل.
ومن هؤلاء الأستاذ محمد الصادق الشائبي، المعروف بـ”الهادي”، أحد أبناء الحامة الذين اختاروا أن يجعلوا من التعليم رسالة، ومن الوطنية ممارسة يومية، ومن العطاء أسلوب حياة.
اليوم، وقد بلغ عامه الخامس والتسعين، يبدو الرجل وكأنه اختار أن يختصر ما تبقى من العمر في أبسط الأشياء وأكثرها دلالة: مصحف، ومذياع صغير، وزجاجة عطر يرحب بها بضيوفه قائلا: “الطيب قبل الترحيب”، وقطرة عين هي دواؤه الوحيد.
أما ما عدا ذلك، فيبدو أن الرجل أمضى عمره في توزيعه على الآخرين.
يقرأ القرآن الكريم باستمرار، وكلما ختمه شرع في ختمة جديدة، ويهدي ثواب ما قرأه إلى أحد الأحياء أو الأموات. صورة تختزل شخصية رجل لم يكن يرى قيمة العمر في ما يملكه الإنسان، وإنما في ما يتركه وراءه من أثر.
من طفل يرفض “Vive la France” إلى رجل يحمل همّ الوطن

ولد محمد الصادق الشائبي بالحامة في 29 جويلية 1932، والتحق بالمدرسة الابتدائية سنة 1938، بعد أن تلقى تعليما قرآنيا في زاوية بني شيبة.
في المدرسة، وجد في معلمه الهاشمي عبد المؤمن ناجي، المعروف بلقب “القاموس”، نموذجا لمعلم لم يفصل بين المعرفة والكرامة الوطنية.
كانت البلاد آنذاك تحت الاستعمار الفرنسي، وكانت المدرسة نفسها إحدى ساحات الصراع على الذاكرة والهوية. ووفقا للشهادة التي يقدمها نجله الدكتور إبراهيم الشائبي، كان التلاميذ يُدفعون إلى ترديد شعارات تمجد فرنسا، فيما كان بعض المعلمين الفرنسيين يفرضون عليهم مظاهر احتفالية مرتبطة بالرموز الفرنسية.
لكن الطفل محمد الصادق لم يكن مستعدا لقبول الأمر كما هو.
سأل، ببساطة طفل، وبجرأة وطنية مبكرة:
“لماذا لا نرفع علم تونس ونهتف باسم المنصف باي؟”
كان السؤال صغيرا في كلماته، لكنه كبير في دلالته.
ذلك الطفل الذي تلقى العقاب بسبب سؤاله سيعود، بعد سنوات، إلى المدرسة نفسها معلما، ولكن في تونس المستقلة، وقد أصبحت المدرسة تحمل اسم الشهيد الدغباجي.
وهنا تبدو المفارقة التي تختصر جزءا من تاريخ الرجل: دخل المكان يوما تلميذا في زمن الاستعمار، ثم عاد إليه معلما في زمن الاستقلال.
لم تكن المسألة بالنسبة إليه مجرد انتقال في الوظيفة، وإنما انتقال من موقع المتلقي إلى موقع صانع الأجيال.
رحلة العلم التي لم توقفها الألغام
لم يكن طريق العلم سهلا.
بعد المرحلة الابتدائية، وفي ظروف الحرب العالمية الثانية، اختار مواصلة طلب العلم في الجريد، فتوجه إلى توزر للالتحاق بحلقات الدروس في زاوية سيدي المولدي.
لكن الطريق كان محفوفا بالمخاطر.
وبحسب شهادة نجله، انفجر لغم أرضي أثناء الرحلة، فأودى بحياة أحد رفاقه وأصاب آخر بفقدان البصر، فيما أصيب محمد الصادق نفسه بشظايا.
غير أن الإصابة لم تكن أقوى من إرادة التعلم.
واصل طريقه إلى توزر، ثم انتقل لاحقا إلى تونس لمواصلة تعليمه في جامع الزيتونة، رفقة والديه اللذين كانا قد فقدا أبناءهما الخمسة ولم يبق لهما سواه.
وفي رحاب الجامع الأعظم، تلقى العلم على أيدي عدد من الشيوخ، وتحصل على الشهادة الأهلية سنة 1953، ثم شهادة التحصيل سنة 1956.

وخلال تلك المرحلة، لم يكن الطالب الزيتوني بعيدا عن قضايا بلاده، إذ انخرط في النشاط الطلابي الوطني من خلال حركة “صوت الطالب الزيتوني” التي كانت جزءا من الحراك المدافع عن التعليم الزيتوني والقضية الوطنية.
كان العلم بالنسبة إليه طريقا إلى المعرفة، لكنه كان أيضا طريقا إلى بناء الإنسان الحر.
من الاستقلال إلى نصف قرن في محراب التربية
بعد استقلال تونس، بدأ محمد الصادق الشائبي مسيرته المهنية في التعليم.
ومنذ سنة 1957 عمل معلما في عدد من المدارس الابتدائية، بينها منزل قابس وغنوش وكتانة والحامة، ثم تولى إدارة مدرسة الصمباط.
وانتقل لاحقا إلى العاصمة، حيث عمل مرشدا بيداغوجيا ومعلما بمدرسة نهج مجاز الباب بباب الخضراء، بالتوازي مع مواصلة دراسته العليا في المجال الشرعي.
وفي سنة 1970 تحصل على الإجازة في الشريعة، لينتقل إلى تدريس التربية الإسلامية والوطنية بالتعليم الثانوي.
ثم كانت له تجربة تدريسية خارج تونس، حيث أُلحق سنة 1973 بالتدريس في ليبيا، أستاذا للتربية الدينية واللغة العربية في غريان والزّاوية، قبل أن يعود سنة 1977 إلى الحامة، ليواصل التدريس بالمعهد الثانوي محمد علي إلى حدود التقاعد سنة 1992.
لكن التقاعد الإداري لم يكن بالنسبة إليه تقاعدا عن التعليم.
واصل إدارة معهدي النجاح والصمود بإشراف المنظمة التونسية للتربية والأسرة، لتقترب رحلته التربوية من نصف قرن.

وهو رقم لا تختصر دلالته في عدد السنوات، وإنما في عدد الأجيال التي مرت من أمامه.
حين أطفأوا الكهرباء.. فأشعل المعلم مصباحا
ربما تكون بعض القصص الصغيرة أكثر قدرة على كشف شخصية الإنسان من عشرات الصفحات.
من أشهر الوقائع التي يرويها نجله أن الأستاذ محمد الصادق الشائبي كان يقدم دروسا إضافية مجانية لتلاميذ القسم النهائي “السيزيام”، رافضا تحويل التعليم إلى وسيلة للكسب.
وعندما وقع ضغط إداري لجعل الدروس بمقابل، رفض الرجل.
وحين قطعت الكهرباء عن القسم، لم يغادر.
عاد إلى منزله، وأحضر مصباحا نفطيا كبيرا من نوع “بريميس”، ووضعه فوق طاولة في القسم، وواصل التدريس.
لم يكن الظلام بالنسبة إليه سببا لإيقاف الدرس.
بل ربما كان مناسبة ليقول، بالفعل لا بالشعار، إن وظيفة المعلم هي أن يضيء الطريق.
والأكثر دلالة أن هذه الدروس استمرت حتى خلال عطلة الربيع، بل تواصلت حتى يوم زواجه.
في زمن كانت فيه تونس المستقلة تخطو خطواتها الأولى في بناء منظومتها التعليمية الوطنية، كان الرجل يرى أن نجاح التلميذ هو المكافأة الحقيقية للمعلم.
حين باع أملاكه ليبني مدرسة
في ثمانينيات القرن الماضي، واجهت الحامة، بحسب شهادة نجله، مشكلة التسرّب المدرسي التي حرمت عددا من الشباب من مواصلة تعليمهم.
لم ينتظر محمد الصادق الشائبي أن تأتي الحلول من الخارج.
تحرك.
اتصل بالمنظمة التونسية للتربية والأسرة وسعى إلى إحداث مؤسسة تعليمية تعيد فتح أبواب الدراسة أمام الذين انقطعوا عنها.
وفي سنة 1985 فتحت مدرسة “النجاح” أبوابها.
لكن الرجل لم يكن راضيا عن مقرها الأول، الذي كان عبارة عن ثكنة قديمة مهجورة ومتداعية.
فقرر أن يبني مقرا جديدا.
وهنا تتحول القصة من مبادرة تربوية إلى حكاية تضحية شخصية.
بحسب شهادة نجله، باع عددا من أملاكه العقارية والفلاحية، كما ساهمت زوجته برهن مصوغها، وضخ الرجل ماله في المشروع، وتنازل عن منحته كمدير، واستدان حتى لا تتوقف الأشغال.
انطلقت الأشغال في أوت 1991، واكتمل البناء في نوفمبر 1993.
وعندما رأى حلمه واقعا، استحضر بيت الشاعر:
“كان حلما فخاطرا فاحتمالا
ثم أضحى حقيقة لا خيالا”
كانت المدرسة بالنسبة إليه أكثر من جدران وفصول.
كانت رهاناً على أن التعليم يستطيع أن ينقذ شابا من الضياع ويمنحه فرصة ثانية.
من مدرسة النجاح إلى مدرسة الصمود
لم يتوقف مشروع الرجل عند التعليم التقليدي.
كان يدرك أن العالم يتغير، وأن أبناء الحامة بحاجة إلى أدوات جديدة لمواكبة العصر.
لذلك سعى إلى إحداث مدرسة للتكوين في الإعلامية والرقن، بالتعاون مع وزارة التكوين المهني والمنظمة التونسية للتربية والأسرة.
وكانت النتيجة فتح مدرسة “الصمود” سنة 1991، لتكون، بحسب الرواية التي يقدمها نجله، أول مؤسسة من هذا النوع في الحامة.
في هذه النقطة تحديدا تبدو شخصية محمد الصادق الشائبي أكثر اتساعا من صورة “المعلم التقليدي”.
فهو الذي بدأ حياته التعليمية في زمن كانت فيه المدرسة أداة للصراع على الهوية، انتهى إلى الدفع نحو إدخال الإعلامية والتكوين الحديث إلى مدينته.
من القرآن إلى الزيتونة، ومن المدرسة التقليدية إلى الإعلامية، ظل السؤال نفسه حاضرا: كيف يمكن للإنسان أن يتعلم كي يصبح أكثر قدرة على بناء وطنه؟
معلّم في المدرسة.. وكشاف وفاعل بلدي وثقافي واجتماعي
لم يحصر الرجل نفسه داخل أسوار المدرسة.
شارك في النشاط الكشفي، وكان قائدا في الكشافة التونسية ضمن فوج طارق بن زياد بجهة قابس، وشارك في الملتقى القومي للكشافة التونسية سنة 1958.
كما خاض تجربة العمل البلدي، فانتخب عضوا بالمجلس البلدي بالحامة لدورتين، وشغل خطة المساعد الأول لرئيس البلدية جلولي فارس، وترأس اللجنة الإدارية، ثم تولى مهمة مستشار بلدي.
وكان له حضور في النشاط الثقافي، من خلال رئاسته المكتب المحلي للمنظمة التونسية للتربية والأسرة، ورئاسته اللجنة الثقافية المحلية، ومشاركته في تأسيس مهرجان الحامة الثقافي.
وفي المجال الاجتماعي، تولى رئاسة الجمعية المحلية لرعاية المسنين، وشغل خطة الكاتب العام للاتحاد المحلي للمكفوفين، وشارك في أعمال خيرية وحملات إنسانية.
أما في المجال الديني، فكانت له صلة وثيقة بالتدريس الزيتوني والإمامة والخطابة، وتولى الإمامة والخطابة بجامع بني شيبة، كما شارك في نشاطات المحافظة على القرآن الكريم وصندوق الزكاة بالحامة.
هكذا تتشكل أمامنا صورة رجل لم يكن يرى الخدمة العامة قطاعات منفصلة.
التربية والثقافة والبلدية والكشافة والعمل الاجتماعي والديني كانت، في نظره، وجوها مختلفة لمعنى واحد: خدمة الإنسان والمكان والوطن.
حتى الحج لم يطلب له واسطة
ومن أكثر تفاصيل سيرته إثارة للدلالة، ما يرويه نجله عن موقفه من الحج.
فالرجل الذي قضى عقودا في خدمة الشأن الديني، والذي أصبح ابنه وزيرا للشؤون الدينية لثلاث مواسم، لم يطلب، بحسب الشهادة، تدخلا لتحقيق رغبته في أداء فريضة الحج.
قد يبدو الأمر تفصيلا شخصيا.
لكنه في الحقيقة يكشف منظومة قيم كاملة.
فالاستقامة عند هذا الرجل لم تكن خطابا دينيا فقط، وإنما سلوكا في الحياة العامة أيضا.
المنصب أمانة، لا امتياز.
والخدمة العامة مسؤولية، لا بابا للمحاباة.
أوسمة على الصدر.. لكن الوسام الأكبر تلاميذه
حظي الأستاذ محمد الصادق الشائبي بتكريمات تقديرا لمسيرته، من بينها الوسام القومي للاستحقاق التربوي، ووسام الشغل من الصنف الذهبي، ودرع الإنجازات من المنظمة التونسية للتربية والأسرة، إلى جانب شهادات تقدير ودروع تكريم أخرى.
والوسام الوطني للاستحقاق في قطاع التربية والعلم هو، في السياق التونسي، تكريم يرتبط بالخدمات المقدمة في مجال التربية والعلم، وقد واصلت الدولة التونسية منح هذا النوع من الأوسمة اعترافا بالجهود المتميزة في المجال التربوي.
لكن الرجل، وفقا لشهادة نجله، لا يرى في الأوسمة أعلى درجات التكريم.
الوسام الحقيقي بالنسبة إليه هو أن يرى تلاميذه وقد أصبحوا رجالا ونساء يساهمون في بناء بلادهم.
وهنا تحديدا تكمن القيمة الأعمق في تجربة المربي.
فالمعلم لا يقاس فقط بعدد سنوات عمله، وإنما بعدد الأرواح والعقول التي ساهم في تشكيلها.
ذاكرة الأحياء.. قبل أن تتحول إلى رثاء
قصة محمد الصادق الشائبي تفتح، في الواقع، سؤالا أوسع من سيرته الشخصية.
لماذا تنتظر المجتمعات العربية عادة رحيل رموزها حتى تبدأ في اكتشاف قيمتهم؟
لماذا تتحول كلمات الوفاء إلى مراثٍ، بينما يمكن أن تكون تكريما يراه صاحبه ويسمعه وهو حي؟
هذا السؤال هو الذي دفع الدكتور إبراهيم الشائبي إلى كسر صمت والده، بحسب ما يقول، بعد دعوات متكررة من عدد من الأوفياء إلى تكريمه، ومن بينهم المربي الأستاذ المقطوف صميطي.
إن تكريم المربين وهم على قيد الحياة ليس مجرد احتفال اجتماعي.
إنه فعل من أفعال الذاكرة.
فالذاكرة لا ينبغي أن تكون مقبرة للأسماء، وإنما جسرا بين الأجيال.
والحامة، التي أنجبت شخصيات في مجالات مختلفة، تحتاج مثل غيرها من المدن إلى إعادة اكتشاف تاريخها المحلي وتعريف أجيالها الجديدة برجالها ونسائها الذين صنعوا شيئا من حاضرها.
شيخ المربين.. حكاية رجل وحكاية جيل
بعد خمسة وتسعين عاما من الحياة، يبدو الأستاذ محمد الصادق الشائبي أقل اهتماما بما يقال عنه، وأكثر اهتماما بما تركه خلفه.
مصحفه، ومذياعه الصغير، وزجاجة عطره، وقطرة عينه، قد تبدو للوهلة الأولى ممتلكات رجل زاهد.
لكنها في الحقيقة ترسم صورة أوسع.
رجل امتلك القليل من الأشياء، لكنه ترك وراءه الكثير من الأثر.
ترك مدارس.
ترك تلاميذ.
ترك تجربة في العمل العام.
ترك ذاكرة في الكشافة والثقافة والبلدية والعمل الاجتماعي والديني.
وقبل كل ذلك، ترك فلسفة كاملة في معنى أن يكون الإنسان معلما.
فالمعلم، في تجربته، ليس موظفا ينتهي عمله بانتهاء ساعات الدوام.
والمؤسسة التربوية ليست جدرانا وسقفا.
والوطن ليس كلمة تردد في المناسبات.
الوطن، كما تقول سيرته، هو أن تعطي من وقتك، ومن مالك، ومن جهدك، ومن علمك، دون أن تنتظر المقابل.
وربما لهذا السبب تحديدا تبدو العبارة التي يرددها في ترحيبه بضيوفه، “الطيب قبل الترحيب”، أكثر من مجرد عادة.
إنها تلخيص رمزي لرجل اختار أن يجعل الطيب سابقا للكلام، والعمل سابقا للثناء، والعطاء سابقا للتكريم.
وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى نماذج صادقة من القدوة، لا تبدو سيرة محمد الصادق الشائبي مجرد حكاية أب يرويها ابن بفخر.
إنها شهادة على جيل كامل آمن بأن بناء تونس يبدأ من الإنسان، وأن الإنسان يبدأ من المدرسة.
بارك الله في عمر شيخ المربين الأستاذ محمد الصادق الشائبي، وجعل ما زرعه طوال عقود من علم وخير وتربية شاهدا له، وأبقى أثره حيا في الأجيال التي مرّت من أمامه.




