الجاهلية — الجزء الرابع الجاهلية الأولى: زمنٌ عاشه الناس… أم صورةٌ صنعتها الرواية؟
الدكتورة فاطمة ابوواصل آغبارية

في الجزء السابق سألنا: متى يبدأ العصر الجاهلي؟ ومتى ينتهي؟
وقد يبدو السؤال للوهلة الأولى سؤالًا عن الحدود الزمنية، غير أن الاقتراب منه يكشف سؤالًا أعمق: حين نقول اليوم «العصر الجاهلي»، فهل نتحدث عن زمن عاشه العرب فعلًا، أم عن صورة لذلك الزمن تشكلت عبر ما وصل إلينا منه؟
ورد تعبير «الجاهلية الأولى» في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[الأحزاب: 33]
وقد اختلف المفسرون في المراد بـ«الجاهلية الأولى»، وتعددت أقوالهم في تحديد دلالتها وزمنها.
وهنا نكتفي بما يخص موضوعنا: فالآية تثبت ورود «الجاهلية» و«الجاهلية الأولى» في النص القرآني، ثم يأتي البحث اللغوي والتاريخي ليبحث في كيفية اتساع دلالة المصطلح وانتقاله في الاستعمال إلى تسمية مرحلة من تاريخ العرب.
لكن ثمة مسألة تستحق التوقف.
التاريخ الذي عاشه الناس ليس هو بالضرورة التاريخ الذي وصل إلينا.
فالمجتمع العربي قبل الإسلام كان أوسع من النصوص التي بقيت منه، والحياة كانت أغنى من الشعر الذي حفظته الكتب. كانت هناك قبائل وأفراد وأحداث وأسواق وعادات ومعارف وأشكال من التعبير لا نملك عنها اليوم إلا القليل، وربما لا نملك عنها شيئًا.
ولهذا فإن الحديث عن «العصر الجاهلي» لا ينبغي أن يوهمنا بأننا نمتلك صورة كاملة لذلك العصر.
إننا نمتلك أثرًا منه.
وهذا الأثر لم يصل إلينا عشوائيًا؛ فقد مر عبر الذاكرة والرواية والحفظ، ثم عبر التدوين والتصنيف والاختيار. وبقيت نصوص، وغابت نصوص. واشتهر شعراء، ولم يصلنا من غيرهم إلا الاسم، أو لم يصلنا حتى الاسم.
وهنا يتغير السؤال.
لم يعد السؤال فقط: ماذا قال الجاهليون؟
بل يصبح:
ما الذي وصل إلينا من كلامهم؟ ولماذا وصل هذا النص دون غيره؟
وهذا سؤال لا يطعن في التراث، ولا ينفيه، وإنما يضعنا أمام طبيعته بوصفه تراثًا منقولًا.
فالنص القديم لا يصل إلى القارئ المعاصر قافزًا فوق القرون. هناك دائمًا طريق قطعه النص قبل أن يستقر في كتاب.
والطريق نفسه جزء من تاريخ النص.
ومن هنا فإن صورة «الجاهلية» التي نعرفها اليوم قد تكون مزيجًا من مستويين: زمن تاريخي حقيقي عاشه أصحابه، وصورة أدبية وعلمية لذلك الزمن تشكلت من خلال المادة التي حفظتها الرواية والتدوين.
وهذا يفسر جانبًا من مركزية الشعر في تصورنا للجاهلية.
فحين نتحدث عن الأدب الجاهلي، يتقدم الشعر إلى الواجهة حتى يكاد يصبح ممثلًا وحيدًا لذلك العصر. وليس معنى ذلك أن الشعر كان الشكل الوحيد للتعبير، وإنما يعني أن الشعر كان من أكثر الأشكال قابلية للحفظ والرواية، ثم أصبح من أهم المواد التي اعتمد عليها علماء اللغة والأدب في بناء معرفتهم بالعربية القديمة.
وهنا تبدأ قضية شديدة الأهمية:
من حمل هذا الشعر إلينا؟
قبل الكتاب كان هناك حافظ، وقبل الحافظ كان هناك راوٍ، وبين الشاعر والكتاب أجيال من الذاكرة البشرية.
والذاكرة لا تعني بالضرورة التحريف، كما أن التدوين لا يعني بالضرورة العصمة من الخطأ.
إنها طبقات متتابعة من النقل، ولكل طبقة تاريخها وأسئلتها.
ومن هنا، فإن البحث في الأدب الجاهلي لا يكتمل بمجرد قراءة النص؛ بل يحتاج أيضًا إلى النظر في رحلة النص حتى وصل إلينا.
وهذه الرحلة هي التي ستأخذنا في الجزء القادم إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة في تاريخ الأدب العربي:

