
لتكن القوانين هي الفيصل..

ليس كل ما يحدث في المجتمع يمكن أن يُترك تحت لافتة «الظروف» أو يُبرر بعبارة «الناس تعبانة». هناك سلوكيات تتسع كلما غابت المحاسبة، وهناك فوضى لا تتوقف من تلقاء نفسها، وإنما تحتاج إلى قانونٍ حاضر، ومؤسساتٍ فاعلة، وإرادةٍ واضحة في وضع الحدود بين الحق والباطل، وبين الحرية والفوضى…
وفي حال البلاد الماثل الان يصبح تفعيل القوانين ضرورة لا تحتمل التأجيل… فالقانون ليس أداة لتقييد الناس، وإنما هو الإطار الذي يحمي حقوقهم ويمنع الأقوى صوتاً أو نفوذاً من فرض منطقه على الآخرين… وعندما تتراجع هيبة القانون، تبدأ الفوضى في التمدد، ويتحول المجتمع شيئاً فشيئاً إلى مساحة مفتوحة للتعدي والتشهير والتحريض والإساءة ونشر الشائعات.
والأكثر خطورة أن بعض الناس أصبحوا ينساقون خلف كل ما يُطرح في الوسائط، دون سؤال عن مصدره أو أثره..
كلمة تُكتب في لحظة غضب قد تهدم علاقة عمر، ومنشور عابر قد يشعل خصومة بين أسر، ومعلومة غير صحيحة قد تسيء إلى إنسان بريء، ثم يجد المجتمع نفسه أمام آثار يصعب إصلاحها…
ومصائب ماانزل الله بها من سلطان..
نحن بحاجة إلى أن نفهم أن الحرية لا تعني أن يتقول الإنسان بكل ما يشاء دون مسؤولية، وأن النقد لا يعني التشهير، وأن الاختلاف لا يبرر الإساءة، وأن وسائل التواصل ليست محاكم ولا ساحات لتصفية الحسابات.
وهنا تأتي مسؤولية الدولة والمؤسسات في حسم الفوضى بالقانون، لا بالمزاج، وبالمؤسسية لا بردود الأفعال. لا يكفي أن تكون القوانين موجودة في النصوص؛ المهم أن تُفعّل، وأن يعرف الجميع أن التجاوز له تبعات، وأن الحقوق مصانة، وأن الاعتداء على الآخرين ليس أمراً يمكن المرور عليه بالصمت…
وأن للحقوق قنوات معروفة يصل فيها المظلوم مراتب الثقة بحفظ حقه ونيل مستحقه
وفي المقابل، تقع على المجتمع مسؤولية لا تقل أهمية: أن يتوقف عن منح الفوضى جمهوراً، وأن لا يشارك في نشر ما يسيء، وأن لا يصفق لمن يشهر بالناس، وأن يدرك أن إعادة نشر الخطأ قد تجعل صاحبه شريكاً فيه.
إن أخطر ما نواجهه ليس اختلاف الناس، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن نفقد قدرتنا على إدارة الاختلاف بأخلاق وقانون…
وأننا جميعا في ظل الفوضى معرضون للاذى والدمار لمجرد أن الخصم صاحب مشاهدات…
وإذا أردنا أن نحمي ما تبقى من تماسكنا الاجتماعي، فعلينا أن نعيد للقانون مكانته، وللمؤسسات هيبتها، وللأخلاق حضورها، وأن نقول بوضوح: الفوضى ليست قدراً، والتجاوز ليس حرية، والصمت عن الخطأ ليس حياداً.
فالبلاد التي تريد أن تعبر أزماتها لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ، بقدر حاجتها إلى قانون يُطبق، ومؤسسات تُحترم، ومجتمع يعرف أن حماية بعضه بعضاً..
تبدأ من احترام النظام، وحفظ الكرامة، وعدم الانسياق وراء كل ما يفرق ولا يجمع…


